English

 الكاتب:

فريدة إسماعيل

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حقوق الإنسان ركيزة أساسية في الدولة المدنية الديمقراطية
القسم : حقوق انسان

| |
فريدة إسماعيل 2016-10-31 08:48:57


كثر الشرح حول مبادئ ومقومات الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وهو شرح مطلوب وضروري استيعابه حتى يتم  فرز نماذج الدول القائمة وفق مسطرة معيارية واضحة.

فالدولة المدنية الديمقراطية تعمل وفق نظام مدني وثقافة مدنية مؤسسة على محددات دستورية وقانونية وسلوكية أهمها الديمقراطية وسيادة القانون والفصل بين المؤسسات واحترام حقوق الانسان والمواطنةالمتساوية ، ويتعزز فيها العمل الفعلي الجماعي الحثيث من قبل كافة المكونات من أجل تطبيق تلك المبادئ والقيم المتفق عليها .

ورغم استمرار الجدل حول مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية في بعديها النظري والتجريبي ورفض جهات وتيارات لمضامينها بحجة منشئها الغربي أو لأسباب تتعلق بالذهنية الشمولية الاستبدادية ورفض المساواة وحكم المواطنين، فقد تبلورت طبيعة وخصائص الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة عبر فكر فلاسفة التنوير والمصادر الاجتماعية المتنوعة وتجارب الشعوب، وأصبحت بمبادئها وقيمها وثقافتها المدنية القائمة على العدل والسلام، والتسامح وقبول الرأي الآخر، غاية للشعوب والمجتمعات المنخرطة في الصراعات السياسية والاجتماعية وكذلك الدول التي تسعى للتطوير الديمقراطي والإنساني. 

ويكتسب وصف الدولة المدنية بأنها دولة قانون في الفعل والممارسة أهمية و تأثيرا بالغين على سلامة وأمن المواطن، حيث  يتعين توفر منظومة من القوانين وتوفر قضاء عادلاً يطبق هذه القوانين بنزاهة وحيادية  من أجل حماية  الحقوق لكل الأطراف، وهذا ما سوف نتناوله بشيء من التفصيل فيما يلي.

حقوق الانسان واجبة التطبيق عبر هيكلية قانونية ملزمة في المجتمع الديمقراطي والدولة المدنية الديمقراطية :  

في أي مجتمع ينشد التحول الديمقراطي، يشكل احترام وتطبيق حقوق الانسان عنصرا ضروريا للديمقراطية، وكذلك فإن الديمقراطية توفر بدورها بيئة طبيعية لحماية حقوق الانسان والحريات وأعمالها بفاعلية . فعندما تكون الديمقراطية  متحققة فإن ذلك يعني احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وحرية الانضمام للجمعيات، وحرية التعبير والرأي، وإمكانية الوصول إلى السلطة وممارستها في إطار سيادة القانون، وتنظيم انتخابات دورية حرة نزيهة على أساس الاقتراع العام والتصويت السري تعبيراً عن إرادة الشعب، وإيجاد نظام لتعددية الأحزاب السياسية والمنظمات، و الفصل بين السلطاتواستقلال القضاء وتوفير الشفافية والمساءلة في الإدارة العامة وتهيئة وسائط للإعلام تتسم بالحرية والاستقلال والتعددية .

و يعبر مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية عن فكرة تسعى إلى الاعتراف بكرامة الإنسان وتحقيقها ضمن هيكلية ملزمة من الناحية القانونيةيتوفر فيها حد أدنى من الحقوق السياسية والقانونية لكفالة تلك الكرامة .  

وتوجد تعريفات عديدة لحقوق الانسان أحدها تعريف الأمم المتحدة الذي يعرفها بـ "ضمانات قانونية عالمية لحماية الأفراد والجماعات من إجراءات الحكومات التي تمس الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية، ويلزم قانون حقوق الإنسان الحكومات ببعض الأشياء ويمنعها من القيام بأشياء أخرى" .

وقد تبلور عبر التاريخ إطار معياري لحقوق الإنسان بدءا بمناقشات وممارسات اليونانيين مرورا بالفلسفة الهندية والصينية وقيم الأديان المسيحية والاسلام ، انتقالا إلى النصوص المكتوبة مثل وثيقة العهد العظيم المعروفة بالماجنا  كارتا في إنجلترا 1215 التي منحت حقوقاً للأفراد، وأخضعت ملك إنجلترا لحكم القانون، مرورا ببداية التشريع الوضعي المنتظم مع الثورتين الكبيرتين في أمريكا وفرنسا، والثورات المنجزة في أوروبا وأمريكا اللاتينية التي ولدت عددا كبيرا من الاتفاقيات،ثم انشاء منظمات دولية مثل  منظمة العمل الدولية في عام 1919 م التي ظلت تسعى لإقرار الحقوق الأساسية في جميع أنحاء العالم .

أما مفاهيم حقوق الإنسان الحديثة  فقد تبلورت في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) حيث كونت الدول المستقلة منظمة الأمم المتحدة  وأصدرت المنظمة ميثاق الأمم المتحدة في 1945 ، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948 الذي مثل أول وثيقة حقوقية دولية .

و تشير المادة 21(3) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى تلك الصلة القائمة بين الديمقراطية وحقوق الإنسان حيث جاء فيها: "إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجرى على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع، أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت".

وتضمن الإعلان العالمي لحقوق الانسان أربع فئات من المواد المتعلقة بالحقوق والحريات وهي فئة الحقوق الفردية والشخصية، وفئة علاقات الفرد بالمجموع أو بالدولة، وفئة الحريات العامة والحقوق الأساسية،وفئة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، و شكل الاعلان دليلا استرشاديا  للكثير من الدول في كتابة دساتيرها الوطنية الصادرة بعد عام 1948 . وفي ديسمبر 1966 صدر العهدان الدوليان لحقوق الإنسان السياسية والمدنية وحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع بروتوكول اختياري ملحق بالاتفاقية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية .

وبموجب العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تعترف الدولة بحق كل إنسان في الحياة والحرية والأمن والكرامة وحرية الفكر والضمير والعقيدة الدينية وحرية الرأي والتعبير، والحق في التجمع السلمي وحرية المشاركة في الحياة السياسية والعامة، وتتكفل بحماية الأفرادعن طريق القانون من المعاملة القاسية أو غير الإنسانية والمهينة ومن الاعتقال والإيقاف التعسفيين ، وتضمن الحق في المحاكمة العادلة للجميع .

أما العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فهو يفرض على الدولة الإقرار والتعهد بالإيفاء بحق كل فرد في الصحة والثقافة والعمل والأجر العادل والضمان الاجتماعي والعيش الكريم وفي التحرر من الفاقة ، وفي تأليف النقابات والانضمام إليها. وبالإضافة إلى هذين العهدين تبنت الأمم المتحدة عدداً من الاتفاقيات والإعلانات ذات الصلة الوثيقة بالإنسان أهمها الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد النساء (السيداو) ، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقيات أخرى معنية بحقوق السجناء والجماعاتوالأقليات والأشخاص ذوي الإعاقة واللاجئين وعديمي الجنسية والعمال المهاجرين وأفراد أسرهم .

 

حالة حقوق الانسان في البحرين وأين هي من المعايير الدولية في الدولة المدنية الديمقراطية  :

وقّعت مملكة البحرين على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل في العام 1991م، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيرهما من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في العام 1998، واتفاقية العمل الدولية رقم (111) لسنة 1958 الخاصة بالتمييز في الاستخدام والمهينة في عام 2000 ، وعلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في العام 2002، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في العام 2006 ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية الاجتماعية والثقافية في العام 2007، وعلى مجموعة من اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وكذلك انضمت البحرين إلى عدد من اتفاقات حقوق الإنسان الإقليمية ومنها الميثاق العربي لحقوق الإنسان.

 

وتمثل فترة ما بعد أحداث الحراك الجماهيري في فبراير 2011م، من أبرز محطات التقييم لاختبار الالتزام الفعلي بمضامين تلك الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها. فقد أكد تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق أن الانتهاكات قد مسّت أحكام غالبية الاتفاقيات الحقوقية التي صادقت عليها البحرين، وأنه ينبغي القيام بتحقيقات جادة تجاه الادعاءات بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان ومساءلة من يثبت تورطه في ذلك فترة الأحداث، وكذلك أكد التقرير على التزام الدولة بكفالة وسائل التعويض الفاعل وآليات إصلاح الضرر المادي والمعنوي لكل من انتهكت حقوقه، حيث أن الانضمام للاتفاقيات الدولية يلزم الدولة بذلك، خاصة وان الاتفاقيات لها قوة القانون الوطني التي يمنحها لها الدستور .. 

واستشهد تقريراللجنة بالمعلومات التي جمعها أعضاؤها ومساعدوهم الخبراء، من حالات القتل الناجمة عن الأحداث، والاستخدام المفرط للقوة وإجراءات القبض والتوقيف المتبعة من قبل القوات الأمنية للرجال والنساء ، وحالات الاختفاء القسري، ودور العبادة المهدمة والإنهاء التعسفي لحقوق العمل، ووقف الطلاب عن الدراسة أو حرمانهم من المنح، وإجراءات المحاكمات غير العادلة، وسوء معاملة الموقوفينوتعرضهم للتعذيب، و بينت تلك المعلومات وجود انتهاكات صارخة لمواد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ولاتفاقية مناهضة التعذيب، كما بينت المعلومات المتعلقة بمعاملة المرأة والطفل عند إجراءات القبض،عن وجود انتهاكات بليغة لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وأثارت أسئلة كثيرة عن مدى قانونيتها ولزومها .

وقد تلى تدشين تقرير لجنة التقصي تشكيل لجان رسمية، ولجان أخرى كثيرة منبثقة عنها بغرض تنفيذ التوصيات الستة والعشرين، وصاحب ذلك أيضا إنشاء مؤسسات رسمية وشبه رسمية كان محاطا بها مهمة تحقيق العدالة وفق التوصيات، ودون الخوض طويلا في هذا التقييم الذي تناولته تقارير عديدة من قبل الأطراف الرسمية والأهلية والدولية حول مدى تنفيذ تلك التوصيات ، فان واقع الوضع الحقوقي المتدهور الذي يعيشه الآلاف من الضحايا والمتضررون اليوم داخل وخارج السجون ، مازال يحكي معاناة الأحكام القضائية المغلظة والإجراءات غير المبررة والانتهاكات المتزايدة والعقوبات على أساس الآراء السياسية أو الانتماء المذهبي.

بل لقد شهدت البحرين في السنتين الأخيرتين سلسلة إضافية من الإجراءات التقييدية، على مستويات غير مسبوقة، تمثلت في التضييق المتزايد على  قيادات المعارضة والنشطاء الحقوقيين والسياسيين، حيث تم تغليظ عقوبة الشيخ علي سلمان في مايو 2016 إلى السجن 9 أعوام بدل عقوبة 4 أعوام صدرت ضده في العام 2015،وتم سحب جنسية الشيخ عيسى قاسم في يونيو 2016 ليضاف اسمه إلى قائمة تشمل أكثر من 250 مواطنا بحرينيا سحبت جنسيتهم منذ عام 2012، وبعد سحب جنسية الشيخ قاسم بدأت ملاحقة عشرات رجال الدين الشيعة والمحتجين السلميين، والتحقيق معهم والحكم عليهم، على خلفية ممارستهم حقهم في حرية التجمع، كما أحالت السلطات الشيخ عيسى قاسم ورجال دين شيعة بارزين إلى المحكمة على خلفية تهم تتعلق بممارسة جمع أموال الخمس. 

وتم حل وتصفية جمعية الوفاق في يونيو 2016م بشكل مستعجل، وتم اجبار الناشطة الحقوقية زينب الخواجه على مغادرة البلاد بعد إطلاق سراحها من السجن في أعقاب ضغوط دولية، وتم منع أكثر من 20 ناشطًا حقوقيا في يونيو وأغسطس 2016، من السفر إلى اجتماعات الدورتين 32 و 33 لمجلس حقوق الانسان في جنيف في حظر سفر جماعي على المدافعين عن حقوق الإنسان وأعضاء المجتمع المدني.  

ويعاني أهالي الدراز التي تضم أكثر من عشرين ألف نسمة من حصار وإغلاق كافة المداخل اليها ، منذ إسقاط الجنسية عن الشيخ عيسى قاسم في 20 يونيو 2016 م وحتى اليوم ، وأصبحت الطوابير الطويلة من السيارات بسبب نقاط التفتيش الأمنية الموجودة في منفذين فقط متاحين لسكان المنطقة، عقابا جماعيا للكبار ولأطفالهم الذين عليهم حضور المدرسة . وهو حصار مخالف للدستور والمواثيق الدوليةحيث تنص المادة 19 (ب) من دستور البحرين على” لا يجوز القبض على إنسان أو توقيفه أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون وبرقابة من القضاء”.

وفي ضوء ما تقدم، فإن التقارير الرسمية إلى هيئات الأمم المتحدة عن "التحسن الحقوقي" التي تسبغ عليها لغة حقوق الإنسان، أضحت بعيدة كل البعد عن وصف الواقع ، فهي لا تتعرض لنقد مواطن التوتر الناشئة من الممارسات والانتهاكات السائدة بل تتهرب من مسائل أساسية من قبيل رفض جميع أشكال التمييز القائم على أساس الرأي أو المذهب، وتنفي تقييد الحريات وأهمها حرية التعبير والعمل السياسي بدون قيود، وهذا نهج يفضي إلى أدلجة مفهوم حقوق الإنسان على نحو سطحي لا يتوخى النقد والإصلاح بل يخلق المزيد من العقبات، حيث أن جزءاً من التزام الدولة تجاه هذه الاتفاقيات هو إلغاء كل التشريعات والإجراءات المخالفة لهذه الاتفاقيات والصكوك، وهذا أمر لم يحدث لحد الآن، بل إن ما يجري في أكثر الأحيان مخالف لهذه الالتزامات، وبالتالي فإن اعتماد الاتفاقيات لم يتبعه تنفيذ فعلي على أرض الواقع.

وينبغي الاعتراف بأن خارطة طريق الخروج من الأزمة السياسيةوالدستورية ، تتطلب العمل في اتجاهين متوازيين، اتجاه سياسي أساسي وآخر حقوقي، فسياسيا كررت قوى المعارضة طرح رؤاها في ضرورة الحوار الوطني الجاد الذي يفضي إلى نتائج حقيقية، أما حقوقيا فينبغي أن تكون ممارسات الدولة متماشية بشكل فعلي وجاد مع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ومع توصيات المفوض السامي لحقوق الانسان، بما فيها الإفراج عن كافة سجناء الرأي والضمير الذين تدافع عنهم أعرق المنظمات الحقوقية الدولية، وكذلك إطلاق الحريات وأهمها حرية التعبير والنقد للمعارضة والنشطاء، وحرية الإعلام وحرية التنقل والتجمع السلمي وباقي الحريات دون عقوبات .  

ولعل تحقيق هذه الخريطة الوطنية العادلة والجامعة، سيساعد الحكومة على صد الانتقادات المتتالية من مجلس حقوق الإنسان في جنيف بشأن عدم الالتزام بالتعهدات الدولية ، ويقربنا خطوة وإن كانت صغيرة على طريق الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro