English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

بغياب الدولة المدنية الديمقراطية تُهيمن دولة الاستبداد
القسم : سياسي

| |
عبدالله جناحي 2016-10-31 08:44:19


 

المتابع للتطورات والاحترابات الأهلية والطائفية والقبلية الجارية في كل من ليبيا وسوريا والعراق واليمن سوف يصل إلى قناعة بأن جذور هذه الاحترابات السياسيةوالاجتماعية والاقتصادية والقيميّة هي هشاشة تلك الدول وفشلها في تأسيس دولة مدنية ديمقراطية حديثة وعادلة، حيث عاشت لعقود من الزمن على دولة الاستبداد وتعزيز القبلية والطائفية والمناطقية وممارسة التمييز وتفشّي المزيد من الفساد المالي والإداري. وبالتالي فإن هناك علاقة عكسيّة قويّة بين النمطين، فكلما تعززت مبادئ ومفاهيم وقيم الديمقراطية والمدنية والحداثة والعدالة والمساواة والتشاركية، وآمنت بها السلطات الثلاثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) بجانب السلطتين الرابعة (الإعلام والصحافة) والخامسة (مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب) كلما تراجعت قيم وممارسات وسياسات الاستبداد واحتكار السلطة والثروة الوطنية.

ولذلك ليس غريباً أن تمتص الدول الديمقراطية العريقة كالإسفنجة كافة الصدمات والصراعات الداخلية، بل وحتى الخارجية قبل  أن تتراكم لتتحول إلى احترابات أهلية بين أبناء البلد الواحد، وذلك بسبب أن هذه الدول قد تعززت فيها ـ ولو نسبياً ـ مبادئ المساواة ورعاية الحقوق، وتنطلق من قيم أخلاقية في الحكم والسيادة، وتحكمها دستور ذو مرجعية بشرية وقوانينه محققة لمبادئه على مستويات الممارسة العملية لحياة الناس في تفاصيلها المتنوعة والتي تهدف إلى تحقيق المصالح العادلة لكل المواطنين دون تمييز، إن قوة وصمام أمان هذه المجتمعات الديمقراطية العريقة هي قيامها على الفصل بين السلطات، وهذا عكس دولة الاستبداد التي تتداخل فيها السلطات وتهيمن سلطة الحكم التنفيذي على بقية السلطات بما فيها على المجتمع ومؤسساته المدنية والإعلامية، كما إنها تؤمن وتعزز حق الاختلاف والتمايز الفكري والسياسي والديني وهذا عكس دولة الرأي الواحد وقمع الآراء المختلفة الأخرى، وإنها تعزز مبدأ المواطنة المتساوية وهذا عكس دولة التمييز بين المواطنين والتعامل معهم كرعايا وليس كبشر لهم نفس الحقوق والواجبات، بما فيها حق المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة.

في الدولة المدنية الديمقراطية يكون الإنسان فيها ليس فقط مكرّماً، والدولة توفر له معظم الخدمات الضرورية، بل يكون سعيداً أيضاً، وفي هذا الشأن نشر الشاعر العراقي علي جعفر العلاق في جريدة العرب بتاريخ 3 أكتوبر 2016م مقالاً بعنوان "شيء من الشعوب السعيدة" يتساءل فيه كيف تهتم الدول الديمقراطية الأوروبية بكل شيء بما فيه القرى الصغيرة فوق القمم الجبلية الثلجية، وتحولها إلى قرى سياحية جميلة، ويستخف عند مقارنة بلده بذلك قائلاً "لماذا نحس، نحن العراقيون تحديداً، أو البعض ممن جرب السفر منا بنوع من الأسى الخفي، والحسرة التي تقبل كالغيم من جهات شتى، كلما عدنا من رحلة ممتعة أمضيناها في الخارج" ويصل إلى استنتاج جميل يصب في هدف هذا المقال حيث يقول "يبدو أن حرمان الإنسان العراقي طويلاً من تجربة الدولة المدنية ونعمها الكثيرة، يجعله قابلاً للانكسار أمام جمال العالم، ويحوّل متعته بتك اللحظات النادرة في الغالب إلى مشهد جارح للفرح ومعذب للذات".

إن من يطمح بالاستقرار السياسي والاجتماعي الدائمين لمجتمعه وامتصاص أي صدمات أو صراعات داخلية وخارجية عليه أن يستوعب سر قوة وديمومة المجتمعات الديمقراطية المدنية الحديثة، رغم وجود كثرة من الاختلافات والصراعات فيها إلا أن حلولها لحل هذه الصراعات معتمدة على مبادئ إنسانية وحقوقية واضحة، وليس على حلول ترقيعية وقمعية وأمنية بحتة بعيدة عن قيَم الحق والعدالة والحرية والمساواة والديمقراطية، وبالتالي بعيدة عن الفرح والمتعة والسعادة للإنسان كأغلى ثروة للدول الحضارية الراقية.

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro