جمعية العمل الوطني الديمقراطي - وعد - نهار آخر | ضمور الدولة الريعية في مجلس التعاون الخليجي وبدء الشد على الأحزمة

English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | ضمور الدولة الريعية في مجلس التعاون الخليجي وبدء الشد على الأحزمة
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-10-16 01:41:33




 

بعد انهيار أسعار النفط منتصف عام 2014 وجد صندوق النقد الدولي فرصته السانحة لتقديم وصاياه الجاهزة لدول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد على عائدات النفط بنسبة تزيد عن 80 بالمئة في موازناتها العامة، ففي شهر أبريل الماضي قال الصندوق على لسان مديره الإقليمي مسعود أحمد "إن اسعار النفط ستحوم حول 50 دولاراً للبرميل حتى نهاية هذا العقد"، وأشار إلى  أن بعض دول التعاون ستضطر إلى  الاستدانة بين 2016 و2021 في ظل حاجات مالية تتجاوز احتياطاتها النقدية. وحسب الصندوق نفسه، فإن معدل النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون هذا العام لن يتجاوز 1.8 بالمئة بعد أن كان 3.3 بالمئة في العام الماضي 2015.

 

أطلقت هذه التقديرات قبل ستة أشهر، عندما كان صندوق النقد الدولي يشير الى عجز موازنات دول التعاون بما لا تتجاوز 100 مليار دولار، لكن الأرقام التي رشحت للصحافة تفيد بأن العجز قد وصل إلى  أكثر من 150 مليار دولار، وقدرته فضائية (سي إن بي سي العربية) بنحو 180 مليار دولار في العام الماضي 2015، الأمر الذي يتطلب معالجة مغايرة لهذا التراجع الكبير في العائدات وتضخم العجوزات وبدء الاستدانة بطريقة تثير القلق من مستقبل الاقتصاد الخليجي المعتمد على العائدات النفطية بشكل كبير، بعد أن تبين عقم سياسات التنمية وفشل تنويع مصادر الدخل التي تم الترويج لها منذ عدة عقود.

ربما يشكل اجتماع الدول النفطية، الذي عقد مؤخرا في الجزائر، جسرا بين حالة الإغراق التي تعاني منها السوق النفطية وبين التوازن في العرض والطلب على النفط وبالتالي إحداث نقلة نسبية في الأسعار بعد أن تم التفاهم على تخفيض الإنتاج بمعدل 740 ألف برميل يوميا في سوق يعاني من تخمة تقدر بنحو مليوني برميل يوميا. فقد وجد اللاعبون الكبار في أوبك وخارجها أن المنافسة الإنتاجية مضرة للجميع وتقود إلى أزمات اقتصادية ومالية واجتماعية في دول الإنتاج التي تعتمد على عائدات النفط كمصدر رئيسي لإيرادات موازناتها العامة، الأمر الذي فرض معادلة الحل وإن جاءت متأخرة كثيرا. وبغض النظر عن عدد الدول التي ستخفض إنتاجها وتلك التي ستبقي على سقفها الإنتاجي، فإن اللاعبين الرئيسيين في العملية الإنتاجية متضررون جميعا من انخفاض الأسعار بمعدل يصل إلى  70 بالمئة على أرضية أن أسعار النفط كانت تحوم حول 40 دولاراً للبرميل مقارنة بالنصف الأول من 2014 وما قبله عندما بلغت الأسعار 120 دولاراً في بعض الأحيان وبمتوسط بلغ 112 دولاراً للبرميل في عام 2013.

 

 

ماذا يعني كل ذلك لدول مجلس التعاون الخليجي؟

 

يعني أن سياسة التقشف وشد الأحزمة قد أخذت منحىً تصاعديا فرضت معطيات جديدة عنوانها أفول الدولة الريعية التي اتسمت بها هذه الدول طوال عقود المرحلة الذهبية للنفط، وتشكل سياساتها الاقتصادية بناءً عليها، بما فيها السياسة العمالية التي اعتمدت على جلب العمالة الأجنبية الرخيصة لعملية التنمية الاقتصادية، لتتحول فيما بعد إلى عبء إضافي على الموازنة العامة بعد أن زاد عدد الوافدين على المواطنين في دول المجلس باستثناء السعودية وعمان.

 

معطيات انهيار أسعار النفط وتداعياتها على الموازنات العامة قادت حكومات المجلس إلى  اتخاذ قرارات وإجراءات عجّلت بضمور الدولة الريعية الداعمة للمواد الغذائية والكهرباء والماء والمحروقات وتقديم الامتيازات والبذخ، وبدء مرحلة فرض الضرائب في دول كانت تعتبر ملاذات آمنة أثارت سخط بعض الدول الصناعية الكبرى التي تبحث عن المزيد من الضرائب من الشركات والأفراد فعبّرت عن ذلك في المقالات والتحليلات في الصحف الغربية. لكن الأهم في مرحلة الأفول هذه هو أن الدخل الفردي للمواطن والمقيم شهد وسوف يشهد تراجعا متصاعدا في ظل ارتفاع الأسعار والتضخم نظرا لارتفاع أسعار المواد الرئيسية وفرض رسوم وضرائب إضافية على الخدمات.

 

من وصفات المؤسسات المالية الدولية أنها تضغط باتجاه فرض المزيد من الضرائب، والشروع في الخصخصة غير المدروسة وترك حبل الاقتصاد على غارب المنافسة المفتوحة دون النظر إلى  التداعيات الاجتماعية على الفئات المحدودة الدخل. وفي حالة دول التعاون وبعد عقود من الاقتصاد الريعي والدولة الداعمة لكل المواد الأساسية، فإن عملية الانتقال من حالة الدولة الريعية إلى  حالة جديدة سوف تسهم في اضطراب المشهد العام، وحيث يكمن الشيطان في تفاصيل الكيفية التي سيتم عبرها تقليص العجوزات والبحث عن موارد إضافية كبديل عن الموارد النفطية المتآكلة، فقد بدأت المرحلة الأولى من رفع الدعم عن الكهرباء والماء والمحروقات، وهذا يعني زيادة جزئية للأسعار في شتى المناحي، وسوف تلحقها زيادات أخرى مع تطبيق الوصايا الجاهزة التي يبشر بها صندوق النقد الدولي. وبعد أن رفعت أسعار الخدمات وفرضت الرسوم على المغادرين من مطارات أغلب دول التعاون وتراجعت فرص العمل الجديدة وسحبت بعض الامتيازات وألغيت العلاوات والبدلات وجمدت الأجور منذ قرابة ربع قرن، وفرضت شروط على سياسة الابتعاث وخفضت المصاريف الحكومية ووضعت قيود على المكافآت والحوافز وسحبت الامتيازات من كبار الموظفين بمن فيهم الوزراء..كل هذا يقدم مؤشرات جدية على بدء مرحلة جديدة في دول مجلس التعاون الخليجي. هذه المرحلة تشمل الوافدين الذين سيواجهون فترة ليست سهلة قياسا مع فترة ما قبل انهيار أسعار النفط.

 

إن بدء حقبة ضمور الدولة الريعية في الخليج ستخلف وراءها تداعيات اجتماعية وسياسية واقتصادية، ولا شك أن المعالجات تحتاج إلى الارتقاء بمستوى المسئولية الوطنية وليس الشروع في توصيات المؤسسات المالية والاستشارية الدولية التي لا تعرف واقع بلداننا كما يعرفه أهلها الذين حذر الكثير من باحثيها، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، من مغبة الاعتماد الكلي على النفط، كما حذروا من عدم الشروع في تنويع مصادر الدخل، لنصل إلى عنق زجاجة العلاج المر الذي سيؤثر بلا شك على الجميع، بما فيها زيادة نسبة البطالة وتراجع الخدمات العامة كالتعليم والصحة. إن هذا التطور يحتاج إلى  إعمال الفكر والبحث عن مخارج وطرق تقلل من الخسائر المجتمعية التي سيدفعها مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها إشراك المواطن في صناعة قراره الراهن والمستقبلي.     

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro