جمعية العمل الوطني الديمقراطي - وعد - المحاكمات الفتّاكة

English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المحاكمات الفتّاكة
القسم : شؤون عربية

| |
النهار 2010-07-13 05:38:32


بقلم أمين قمورية:
الرئيس السوداني عمر البشير ليس المهاتما غاندي ولا الام تريزا، وهو لم يُظلم كثيرا عندما اصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة التوقيف الاولى في حقه بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في اقليم دارفور المنكوب ، فالاتهامات المسوقة ضده لم تأت من العدم ولم تظهر من فراغ، فالجرائم حصلت فعلا ولا يمكن التغاضي عن بشاعتها، ولا بد من محاسبة مرتكبيها، أياً كانوا، ليشكلوا عبرة للانظمة القمعية التي تقتل وتشنّع من دون حسيب او رقيب. وكونه رأس النظام (وهو حتما ليس نظاما اسكندينافيا) فانه يتحمل مسؤولية اساسية عن الارتكابات التي شهدتها مناطق الجنوب ودارفور وكردفان والنوبة والخرطوم خلال سنوات حكمه الاحدى والعشرين.
لكن لم يكن اسوأ من البشير سوى القوى الكبرى التي تقف وراء المحكمة الدولية وتجيّر عملها وخدماتها لمصالح سياسية بحتة لا مكان فيها لاحقاق الحق واقرار العدالة وانصاف الضحايا. فعدا عن ان هذه المحكمة تكيل عادة بمكيالين، خصوصا عندما يتعلق الامر باسرائيل وجرائمها الموصوفة، فانها ايضا غيّبت مسؤولية الآخرين عما جرى في الاقليم السوداني المنكوب، وخصوصا عن حركات التمرد الدارفورية التي مرّغت ايديها ايضا في عمليات القتل الجماعي ودماء القبائل العربية المعادية لها، فضلا عن مسؤولية دول الجوار التي تورطت في القتال والتخريب والتحريض حتى اذنيها، وكذلك المجتمع الدولي الذي تأخّر كثيرا قبل ان يرفع الصوت لوقف المجازر لغايات في نفس يعقوب. ولم يمض وقت طويل حتى انكشفت الغاية المضمرة من وراء قرار الملاحقة برقصة "التانغو السياسية " غير المعلنة بين واشنطن والبشير وكان ملخصها: تشريع وجود البشير على رأس السلطة في الخرطوم عبر انتخابات شكلية ومعترف بها دوليا، في مقابل ان يسهل عملية الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب وتاليا الانفصال واقامة دولتين مستقلتين على ارض السودان الموحد منذ مئات السنين. وللذين يشككون بذلك نذكرهم بالحماس الكبير الذي كان يبديه المبعوث الاميركي الخاص الى السودان سكوت غريشون للانتخابات السودانية، التي كرّست البشير رئيسا للشمال وسالفا كير رئيسا للجنوب ، ودفاعه المستميت عن نزاهة العملية الانتخابية رغم التشكيك العارم بها.
في الامس، لاح عن المحكمة الجنائية فصل سوداني جديد  عندما اصدرت مذكرة توقيف ثانية بحق البشير بتهمة ارتكاب الابادة. فما الذي حصل وما الدافع اليه: هل تخلت المحكمة ومحركوها السياسيين عن رقصة التانغو الذي فتحت طريق جنوب السودان نحو الانفصال واقامة الدولة المستقلة ؟ ام ان المحادثات الجارية بين البشير والجنوبيين في شأن ضمان الاستقرار بعد الانفصال تعثرت على مسائل مهمة من بينها خصوصا مسألة الحدود ومواقع الثروة النفطية والثروات السودانية الاخرى ضمن هذه الحدود، والتي صارت اليوم هي المحرك الفعلي للسياسات الدولية في السودان وعموم افريقيا ؟ ام انه بات مطلوبا من نظام الخرطوم ورئيسه تنازلات جديدة في مناطق اخرى مثل دارفور او كردفان وغيرها تقودها ايضا الى مصير مماثل للجنوب ، وتاليا صار من الضروري تضييق عقدة الملاحقة الدولية والتهديد بالمحاكمة على خناق البشير؟
كل الامور واردة وخصوصا عندما تجعل الانظمة مسألة بقائها فوق المصالح العليا لشعوبها واوطانها وتستسهل تقديم التنازلات للحفاظ على تسلطها، فيما يستسيغ الآخرون لعبة جرّها الى تقديم المزيد وانزالها الى بئر لا قعر له.
 بلعبة المحاكمة الدولية جُرَّ البشير الى لعبة تقديم التنازلات. وفي المقابل، تختبر واشنطن (المحرك الفعلي لهذه المحاكم) بهذه اللعبة سلاحاً جباراً اثبت فعاليته في تطويع المتمردين على ارادتها السياسية، وزرع الفتن، وتأجيج الحروب الاهلية، ووسيلة للتدخل من بعيد في شؤون الآخرين دون الحاجة الى التدخل المباشر، وارسال الجيوش، والغزو، والاحتلال، والتورط في مؤامرات غير مضمونة النتائج.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro