English

 الكاتب:

منى فضل

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هل فعلاً تركيا تدفع أيَّ أثمان عنا؟
القسم : شؤون عربية

| |
منى فضل 2010-07-06 06:45:27


يجزم فهمي هويدي في مقالة نشرتها له الزميلة «الخليج» مؤخراً، أن تركيا تدفع الثمن نيابة عن العرب وعن تصالحها مع ذاتها وتضامنها مع الشعب الفلسطيني، وهنا يقصد تحديداً موقفها الذي تشكل إثر الاعتداء الإسرائيلي على «أسطول الحرية» لكسر حصار غزة والذي استشهد فيه تسعة من ركابه الأتراك، متوقعاً أن ما حدث يجعل الطريق ممهداً لانقلاب استراتيجي في الشرق الأوسط بسبب غياب مصر عن المشهد، منوّهاً إلى استيقاظ الضمير التركي منذ عدوان غزة في العام 2008، وموقف رجب طيب أوردغان تجاه شمعون بيريز في دافوس، وما أعقبه من إهانة للسفير التركي في تل أبيب.
تأسيساً على الوقائع السابقة وغيرها، يخلص هويدي إلى احتمالية تدهور العلاقات التركية - الإسرائيلية أيضاً وإعادة النظر في (59) اتفاقية بين البلدين بينها (16) اتفاقية عسكرية وأمنية تبلغ (7) مليارات ونصف المليار تسددها تركيا لإسرائيل، فضلاً عن صفقات شراء طائرات دون طيار و(1000) دبابة ومدرعة من طراز «ميركافا 35» بقيمة (5) بلايين دولار، ومشروع آخر مشترك لبناء صواريخ بقيمة (105) ملايين دولار وتحديث طائرات فانتوم ودبابات وتأهيل طيارين أتراك وتدريب طيارين «إسرائيليين» في الأجواء التركية وغيرها مما يتطلب السرية ولا يعلم عنه، بيد أن ثمة سؤال منطقي يفترض طرحه حتى عند تثمين الموقف التركي من المقاومة الفلسطينية وهو يتمحور حول بعدين سياسيين هامين هما:
- هل فعلاً تركيا تدفع أثمان لأجل خاطر عيون العرب والشعب الفلسطيني؟!
- وهل يمكن لتركيا كسر قاعدة Business is» Business» والتضحية بمصالحها الإستراتيجية الممتدة عقوداً من الزمن مع إسرائيل؟! ثم لماذا وكيف تمت الصفقات المشار إليها بالمليارات أصلاً؟
قبل الإجابة، وبرغم اتفاقي حول فرضية الانقلاب الاستراتيجي ودونما الإغراق في استنتاجات رغائبية بشأن تدهور العلاقات التركية/ الإسرائيلية، الأمر يتطلب مراجعة ما تضمنته التقارير وتناولته التحليلات السياسية التي تجيب على الأسئلة أعلاه وغيرها. فالتقارير بتعددها وتنوعها تبين أن شراكات تركيا وتحالفاتها مع أميركا وإسرائيل لم تعد كما كانت عليه منذ 90 سنة، وإنها الآن تحولت إلى قوة إقليمية دولية تحتل المرتبة (17) في الاقتصاد العالمي و(6 أوروبياً) مما يدفعها للحصول على موقع ودور متميز في النظام الدولي يتلاءم مع ما حققته إلى جانب الاعتراف بها كقوة كبرى واحترام مصالحها في الشرق تماماً كما حدث لدور البرازيل في أميركا اللاتينية وتايلاند وماليزيا في جنوب شرق آسيا، هنا الكاتب سعد محيو يرى أن هذا ليس موقف أوردغان فقط، بل إنه يمثل إجماع النخبة التركية من عسكريين، ومدنيين يساراً ويميناً، علمانيين وإسلاميين، وأن أوردغان نفسه لا يريد الوصول إلى محصلة تدفعه إلى العداء السافر مع الغرب، ولا إلى المراهنة بخسارة الموقع الاقتصادي الذي حققه، فتركيا لن تكتمل قفزاتها التنموية لو انفصلت عن الغرب وأدارت له الظهر، ناهيك عن أن جيشها لن يقبل الوصول إلى هذه المرحلة بسهولة وهو واقف بالمرصاد لأرودغان. بالطبع ما يظنه محيو خلاف ما يظنه هويدي من أن نفوذ الجيش العلماني قد تقلص ولم يعد بالقوة التي كان عليها سابقاً بسبب تراجع دوره في مجلس الأمن القومي وبسبب تورط بعض قادته وعناصره في التنظيم السري الانقلابي الذي أثر على رصيده مؤخراً، وإذا كان ما يظنه هويدي صحيحاً، فالصحيح أيضاً أن الإقرار بضعف الجيش التركي يعني التقليل من قوة تركيا إقليمياً وما يمكن أن تلعبه من دور في الشرق.
وإن اتفقنا مع القول أن تركيا تصالحت مع ذاتها وتبنت الدفاع عن الشعب الفلسطيني وحتى من بعد إنساني بسبب غياب مصر عن المشهد السياسي العربي وتحمل مسئوليتها القومية، إلا أن ثمة شبه إجماع عند المحللين السياسيين على اختلاف منطلقاتهم أن هناك أولاً وتالياً مصالح إستراتيجية مشتركة بين تركيا وأميركا وإسرائيل تتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي والأمني لهم، بل وما تبتغيه أنقرة حالياً وكما ورد في التحليلات هو بالضبط ما يحقق المصالح الأميركية المتمثلة في رغبتها باستقرار الشرق الأوسط وتوسيع مجال أسواقها اقتصادياً والحفاظ على قوة واشنطن الراهنة المسيطرة على النفط والنفوذ بالمنطقة، الأهم من هذا وذاك لم نتلمس حتى هذه اللحظة مؤشرات تشي بمناصبة تركيا العداء للغرب، بل استمرارية سعيها الدؤوب إلى التأورب حتى وهي تحت قيادة الإسلامي أردوغان. هذه حقائق يستدعي النظر نحوها بجدية وعقلانية حين الجزم أن تركيا تدفع أثمان هزائمنا وتخاذلنا تجاه قضايانا الوطنية.
وحتى لا تأخذنا حموة اللحظة والحماس بعيداً عن الواقع، من المهم النظر إلى جانب آخر إضافي له بعد تاريخي محفور في الوجدان العربي والتركي، فكما هو مدرك أن العلماني الإصلاحي أتاتورك حقق لبلاده الاستقلال وصار «أباً للأمة»، وأصبح كما يفيد أمين معلوف في كتابه (اختلال العالم، الفارابي، بيروت 2009، صفحة 111-118)، يتمتع بولاية مديدة قولب فيها تركيا والأتراك على هواه، فشرع بالقوة بوضع حد للأسرة الملكية العثمانية، وألغى نظام الخلافة ونادى بفصل الدين عن الدولة وأقام علمانية صارمة، وطلب من شعبه أن يتأورب، واستبدل الأبجدية العربية بالإنجليزية اللاتينية، وأجبر الرجال على حلق لحاهم والنساء على نزع حجابهن، ومشى شعبه وراءه، تركه يخلخل العادات والمعتقدات لأنه أعاد إليه كبرياءه وكرامته من الاستعمار حتى وإن بدا طاغية، إلا أنه أسس الدولة الحديثة التي تتمتع بالقوة الاقتصادية الآن، وحتماً الشعب التركي لن يتخلى الآن الحداثة، حتى وإن اتجه نحو البحث مجدداً عن هويته الإسلامية.
يضيف معلوف أيضاً أن انفجار السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى أشبه بطلاق بين رعايا السلطان العرب ورعاياه الأتراك. فيوم رفع هاشميو مكة راية الثورة سنة 1916 بتحريض من الإنجليز، كان أحد أهدافهم المعلنة هو استعادة مقام الخلافة الذي كان يتجلبب به سلاطين بني عثمان على مدى (400 سنة)، وبعد أن انعتق العرب من نير العثمانيين، أمسوا قادرين على استعادة أمجادهم، وصار لدى القوميين الأتراك مشاعر نقمة مماثلة، كانوا يقولون: إذا عجزنا عن التقدم، فذلك لأننا نجرّ العبء العربي الثقيل منذ قرون، آن الأوان للتخلص من تلك الأبجدية المعقدة، والتقاليد البالية والذهنية الهرمة، بل كان بعضهم يضيف بصوت خافت: بل من هذه الديانة. «يريد العرب أن ينفصلوا عنا؟ حبذا هذا الأمر! سنرتاح منهم! فليذهبوا عنا!»، فالطلاق المصحوب بالمرارة برأيه كان انفصالاً بين الأجساد والنفوس في آن.
إذن، تركيا ومن المعطيات السابقة لا تدفع أثماناً عن العرب، برغم شجاعة أبنائها وتضحيات من لم تنشفْ دماؤهم بعد على متن «سفينة الحرية» التي حاولت كسر حصار غزة وهجم عليها البرابرة الصهاينة في المياه الدولية، ذلك لأن تركيا النظام تسعى لممارسة دور في المنطقة يستند إلى مصالح إستراتيجية يحقق لها وضعاً ندياً تنافسياً مع القوى الدولية، فضلاً عن منافع لشعبها وتقدماً اقتصادياً وهيبة سياسية وأمنية إقليمية وعالمية، والتحدي للنظام الرسمي العربي يكمن هنا في الإجابة على السؤال:
- كيف يتعاطى هذا النظام مع كل ما يحدث؟
الوسط 6 يوليو 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro