English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

فلسطين في أيدٍ أمينة!
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2010-06-10 08:09:53


نصري الصايغ:
I ـ عنوان جديد لفلسطين... خارج الجغرافيا
«قافلة الحرية»، صارت عنوانا جديدا لفلــسطين. الدمـاء غيّرت مسار الجغرافيا. الشهداء الجدد انتشلوا القضية من سباتها العربي، أخذوها إلى كل العالم. لم تعد فلسطين حكراً على قال وقيل، من سياسيين تافهين، ومندوبين كذابين، ودبلوماسيين عاهرين، ومبعوثين مزوِّرين...
«قافلة الحرية»، أخذت فلسطين إلى فلسطين، ودعت الضـمير الإنساني إلى أن يشهر إيمانه بفلسطين، فكل إيمان من دونها، كفر وزندقة ونفاق. فضيلة «قافلة الحرية»، أنها نالت عقوبة جليلة، فائقة الكفاءة، لأنها تجرأت... وانتصرت. كل تبخيس للقافلة، قراءة معكوسة. كل استخفاف بالحدث، تهرب وتخريب، وكل تعظيم موضوعي، له ما يبرره.
أولا: هزمت «قافلة الحرية» نظاما عربياً، رأسماله كله، تأبيد الحصار على غزة، وتأجيل فلسطين إلى ما لا نهاية، وتأجير قضيتها إلى عابري الطرق الدولية، من قراصنة السياسة والمال والنفط والأديان.
ثانيا: انتصرت «القافلة» على نظام حسني مبارك، فخرّ أمام خوفه من شعبه، ولجأ إلى فتح معبر رفح، إلى أجل غير مسمى.
ثالثا: أقالت «القافلة» النظام الرسمي العربي من تمثيله الرديء للقضية، وجعلته ينحني ويختفي، ومنعته من النطق، وأظهرته في كمال عجزه، وتفوق رتبته في تبني الهزائم.
رابعا: أقامت «القافلة» لفلسطين عواصم كثيرة في العالم. جماهير الدين الفلسطيني التأموا في شوارع مدن العالم، وفي الشوارع العربية، باستثناء أزقة وقواويش الدول الزاحفة على جباهها.
خامسا: ألزمت النفاق الغربي بالاستتار. حرضته شعوبه على تبني الحد الأدنى من المواقف: استنكار القرصنة، التفكير بحصار «مودرن»، ثم... الذهاب إلى مجلس الأمن...
سادساً: الزمت «القافلة» تركيا بالتأكيد على التزامها الجديد بفلسطين... لم تعد تركيا، بعد المجزرة الاسرائيلية، لاعباً محايداً، وسيطاً مقبولا (خسرت هذا الدور)، غير أنها تحوّلت إلى قابض على الجحر الفلسطيني، وباتت شريكا قوياً وفاعلا ومؤثرا، على طريقتها، في «الشرق الأوسط المتحول».
سابعا ثم ثامنا ثم... عاشراً، وأبرز نتائج «قافلة الحرية»، أنها وضعت على عاتق المجتمعات الوطنية والمدنية، مسؤولية انتزاع فلسطين من الأيادي العربية المغلولة والعابثة بمصيرها وشعبها.
لذا، لستُ حزينا على الغياب العربي. هو ليس مفاجئاً. مزمن هذا التراكم من العفن السياسي والأخلاقي. بل مزمن أكثر، هذا الإدمان على النجاة من فلسطين، عبر استدراج الهزيمة والبناء عليها.
ولذا أيضا، أنا مطمئن إلى أن فلسطين باتت في أياد أمينة، والطريق طويل، و«قوافل الحرية» تمخر هذا المستحيل الدولي، فيما تعوي أنظمة تدب على أربعة.
II ـ استعادة الذاكرة... وقاتل راشيل كوري
حظ راشيل كوري، ان تبقى وحيدة وتناضل وحيدة وتصل إلى ميناء أشدود في فلسطين وحيدة...
حظ راشيل كوري، انها ممتلئة جرأة. مؤمنة بأن فلسطين لأهلها، واسرائيل ليست دولة مجرمة، بل هي جريمة أصليــة، انشئت لها دولة. راشيل. لأنها كذلك، وقفت أمام الجرافة. لم تكن تــدرك ان الجريمة متمادية إلى هذا الحد، إلا عندما اصطكت اسنان الجنازير بجسدها.
راشيل التي تخلت عنها بلادها الأميركية، استوطنت الذاكرة، وصارت فلسطينية إلى الأبد... وها هي بعد موتها تبعث حية في فلسطين.
هناك قاتل ومقتول.
المقتول: راشيل كوري، أما القاتل، فلم يتعرف اليه أحد بعد. ليس المقصود المستوى السياسي أو العسكري، بل ذلك الذي كان يقود الجرافة. من سمع شهادته؟ لا أحد؟ هذا طبيعي. غير أن زميلا له، كشف عن الهوية الإجرامية لسائق الجرافة.
زميله، قاد جرافته في معركة السور الواقي في مخيم جنين، وقد أدلى بشهادته من فوق البلدوزر، الذي يدلّعه الاسرائيليون ويسمونه «نونورس». ومعروف أن الاسرائيليين مولعون بانتقاء أسماء شاعرية وروائية أحيانا، لأعمالهم ومعاركهم وجرائمهم.
الاسم: موشي نسيم. المهنة، جندي، سائق بلدوزر. الهواية: تأييد فريق «البيتار» الرياضي.
يقول موشي: «لم أترجل من البـلدوزر الذي يزن 50 طنا، لمدة 65 ساعة متواصلة... كان تدمير البيوت سهلاً، فعــرض البلــدوزر أكبر من الأزقة. كان يكفي ان أمر به حتى تنهار الجــدران وتــدك المنازل. كان يلزم ألا أظهر أي شفقة على الاطلاق. لم يكن لدي وقت لإضاعته، كانت المنازل تدمر على سكانها. كان هناك عدد من القتلى تحت الأنقاض. تدمير منزل يعني أنك تقضي على أمل أكثر من 59 شخصا ولأجيال قادمة... لا منزل، أي لا تواجد ولا سكن ولا إقــامة... إذا كنت نادماً على شيء، فهو أنني لم أستطـع ان أدمر كل المخــيم في ثلاثة أيام. نفذت أمراً واحداً فقط، هو التـدمير... وعنــدما عدنا من المخيم، كان الجنود متعبين ومنهارين فيما كنت أطــالب بالمزيد... ان امرأة حاملا تؤوي ارهابيا تجب تصفيتها. كل المنظمات الانسانية ومنظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة لا تروي إلا تُرّهات وسخافات... لقد سوينا جزءا من المخيم أرضاً... وبفضلنا يستطيع سكان المخيم أن يلعبوا كرة قدم».
كم جنديا إسرائيليا يشبه موشي نســيم؟ كم مسؤولا اسرائيليا يتفوق على موشي هذا؟ وكم يلزمنا، نحن الذين على ديــن فـلسطين، ان نقيم للذاكرة حضوراً، نغتذي منه، لا لنثأر، بل لنثـور. والفارق شاسع.
شهادة موشي نسيم، هي برسم «الفيلسوف الكبير» برنار هنري ليفي، الذي يداوم على تفضيله اسرائيل، لأنها دولة أخلاقية بمعايير نموذجية، وديموقراطية بمعايير مثالية، وأن سلاحها، برغم ما يخاض ضدها من حروب، هو أنظف سلاح في العالم.
ملاحظة: لا تجوز المقارنة بين ديموقراطية اسرائيل، والديموقراطيات العربية المعدومة. فهذه دكتاتوريات فاسدة، برعاية أميركية وأوروبية وفرنسية تحديداً. وهي مقبولة كنظام فاضل ومعتدل، لأنها تطمئن اسرائيل، اكثر من أحزابها... ثم لا يجوز التحدث عن ديموقراطية اسرائيل، إلا لليهود... انها ديموقراطية، فوق الجسد الفلسطيني وعلى تخوم النفي الفلسطيني...
حنين الزعبي في الطريق إلى المنافي، لأنها مصرّة على أن تبقى فلسطينية... فلسطين الذاكرة، طريق آخر للإيمان والممارسة.
غرب يكذب ديموقراطية، وعرب ينزفون كذبا... وهما يتساويان.
III ـ أوباما مرؤوس لا رئيس
لم تتغير الولايات المتحدة الأميركية بعد. باراك أوباما، مرؤوس لا رئيس. هكذا هي أميركا. مؤسسات قابضة على المال والسلاح والقرار و... البيت الأبيض. مسموح تغيير اللغة، أما قواعد اللعبة، فهي في مرتبة «المنزّل» الامبريالي.
عام على خطاب أوباما في القاهرة، والمحصلة: «لا مفر من الاستيطان»، فسامحونا. و«قفوا صفا واحدا ضد إيران»، فاسمعونا. أما المفاوضات، فمشروع طويل الأمد. قد يشيب شعر أحفاد ميتشل، قبل أن يصل «الطرفان» إلى... حيث لا وصول ولا محطة.
كل ما عوّل عليه عرب الغباء، بلغ مع أوباما، مرتبة: «راوح مكانك». أميركا الأمس البعيد، قد تكون، رغم شناعتها، أجمل من أميركا اليوم، وأكثر افتتانا من أميركا الغد... إلا إذا هزمت.
يقول روبرت أم. غيتس، وزير دفاع الولايات المتحدة الاميركية، «ان البيئة الأمنية العالمية تغيرت تغيرا كبــيرا منذ انــتهاء الحرب الباردة. وعالم اليوم اكثر تعقيدا، ومن الصعب توقع مخاطره». ومع ذلك، فإن أميركا لم تتغير، لأنها ترسم سياساتها لاستضافة التغيرات الخارجية بذهنية تجديد فعالية التدخل الأميركي، بواسطة قواها وقوى شركائها.
تغير العالم، ولم تتغير نظرة واشنطن الى البيئة المشرقية. وهي في العمق والسطح، نظرة جورج دبليو بوش بالذات، حيث لا يزال العرب وجوارهم الإسلامي، في فسطاطين متقابلين. يقول غيتس في «فورين أفيرز» (عدد 5 ـ 6 ـ 2010): «ثمة نزاع في العالم الإسلامي بين القوى المعتدلة المنفتحة على الحداثة وبين المنظمات المتطرفة والعنيفة، على غرار «القاعدة» و«طالبان» وغيرهما من المنظمات».
اسرائيل براء من أي نزاع. هي خارج الموضوع. استثناء مدعوم. أما فلسطين، فهي خارج الخريطة إلى أجل غير معلوم. وعلى ميتشل ان يصرف وقتا بخسا، بلا مقابل... وعليه، فإن أميركا، و«البلاد العربية المحتلة» من قبلها، مدعوة لخوض معركة حقيقية وحاسمة ومبرمة، ضد «أشقاء المنظمات المتطرفة الارهابية، «حماس» و«الجهاد» و«حزب الله» والدولتين الداعمتين للارهاب: إيران وسوريا.
ما الذي تغير منذ عهد جورج بوش أميركيا؟
لا شيء على الإطلاق.
على أن تغيرا أكيدا طرأ على المشهد الاقليمي. تغير بتوقيع قوى المواجهة والمقاومة... ولا تريد أميركا أن تعترف، ولا ترغب أنظمة الاحتلال العربية بأن تذعن... كل المستقبل يُقرأ من هنا، حيث بدأ التغير.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro