English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تركيا ترقص مع الذئاب
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2010-06-06 10:28:49


شيع الاتراك شهدائهم التسعة يوم امس بمظاهرات حاشدة تنافس فيها انصار حزب العدالة والتنمية وحزب السعادة المحظور، فكانت تظاهرات حاشدة، وبقى اسم رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان هو الاكثر حضورا، ليس في تركيا فحسب، بل ايضا في مختلف العواصم العربية والاجنبية التي شهدت مسيرات وفعاليات مشابهة، ولم ينصت مئات الالاف من الاتراك الى رأي احد القيادات الاسلامية التركية في الولايات المتحدة الذي انتقد قافلة الحرية وقال "كان يفترض ان تأخذ إذن من اسرائيل، في ملاحظة مهمة عن اختراقات صهيونية وإن هي محدودة".
ومع عدم التقليل من اهمية الحراك الذي سببته تركيا لجهة فضح نازية الكيان الصهيوني، إلا ان الواقع ينبئ بأن هذه الحشود سوف تهدأ بعد قليل في كل العواصم، كما هي العادة، وستبقى الديبلوماسية هي محورالتحرك الذي سيوجه دفة العلاقات التركية الاسرائيلية بما تشكله اليوم من مفصل له التأثير الاكثر في عملية الصراع العربي الاسرائيلي، خصوصا بعد ان فقد العرب اغلب اوراق اللعبة، ان لم نقل كلها، وتحولت لصالح اللاعبين الكبار اقليميا ودوليا. وتبرز تطورات الاحداث ان تركيا هي اللاعب الابرز على المستوى الاقليمي بعد انكفاء مصر وانشغالها بمعالجة الطعنة الاسرائيلية التي جائت من الخلف الافريقي عندما امعنت تل ابيب في تأليب دول منبع نهر النيل على اقامة سدود ومشاريع مائية على النهر الذي هو سر حياة المصريين والسودانيين. كما ان غياب الاستراتيجية العربية اوجدت حالة من الهروب القطري الجماعي ازاء استحقاقات المراحل السابقة وترك  الفلسطينيين امام الولايات المتحدة الامريكية ودول كبرى في الاتحاد الاوروبي تصيغ المصالح الاسرائيلية كما تشاء.
بيد ان السؤال الملح الان: هل تستطيع تركيا لعب دور الرافعة الكبرى للحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني في ظل غياب رسمي عربي شبه جماعي؟
في مقال الخميس الماضي، تحدثنا عن القوة الاقتصادية التركية التي تسجل تطورا على اكثر من صعيد، ودورها في تعزيز الدور السياسي لانقره، وخلق اوضاعا اقليمية مريحة اتاحت لها فسحات واسعة من التحرك. لكن الشرق الاوسط لايمكن السيطرة عليه بقوة اقليمية صاعدة تحلم بعودة معطيات الدولة العثمانية التي تهاوت مع الحرب العالمية الثانية، فالمنطقة مستهدفة اليوم من قبل اكثر من قوة اقليمية ودولية في عالم انتهى من القطبية الثنائية التي حكمت حقبة الحرب الباردة، ويعيش الان تراخي القطبية الواحدة، وبدا يدخل الخطوات الاولى لعالم متعدد القطبيات، يساعد على ذلك بروز اكثر من قوة اقتصادية جدية تنافس الولايات المتحدة الامريكية في اسواقها، كما هو الحال مع الصين والهند ناهيك عن اليابان  والمانيا (الاتحاد الاوروبي)، ونفور دول امريكيا اللاتينية من سطوة واشنطن الى رحاب التنسيق بين دولها بعيدا عن الوصاية الامريكية.
في ظل هذه الظروف تلعب تركيا اليوم مع الذئاب، لعبة شد حبل العلاقات المبنية على المصالح الاستراتيجية والانية. وحتى لانفرط في التفاؤل بان تركيا سوف "تشيل الزير من البير" وسترفع الحصار عن قطاع غزه، فان العلاقات التركية الاسرائيلية هي من القوة بحيث قد لايكفي دم الشهداء والجرحى في قافلة الحرية من ايقاف عمليات التنسيق الامني والاستخباراتي والعسكري والاقتصادي بين انقره وتل ابيب. فوفق اتفاقية التجارة الحرة بين الكيان وتركيا، واتفاقيات اقتصادية اخرى، ارتفع حجم التجارة بين البلدين من 366 مليون دولار اوائل تسعينات القرن الماضي الى اكثر من ملياري دولار حاليا، يدخل في ذلك اتفاقيات تتعلق بصناعة الملابس والزراعة والمياه وتأسيس شركات مشتركة بين الجانبين، فضلا عن تحديث الطائرات التركية في الكيان. اما في الجانب الامني الاستخباراتي فقد كان لتل ابيب فضل على انقره في المساعدة على تحجيم وضرب حزب العمال الكردستاني الذي سبب صداعا كبيرا للمسئولين العسكريين والامنيين الاتراك ودفعت انقره ثمنا لهذا التنسيق بتواجد الموساد على اراضيها واختراقات لافتة في دول الجوار بما فيها سوريا، توجت بتمكن تركيا من اختطاف زعيم الحزب عبدالله اوجلان واعتقاله وتوجيه ضربة قاصمة لحزبه.
لكن التحولات الاقليمية التي حصلت، حركت المواقف بنسب متباينة. فقد قفزت تل ابيب الى اقليم كردستان العراقي وزرعت عناصرها الاستخباراتية هناك بعد سقوط نظام صدام واحتلال امريكا العراق، وتداخلت القضايا مع بعضها لتجد انقره نفسها في مواجهة جدية مع الكيان على ارضية المصالح في العراق وخاصة في الشمال الغني بالنفط وبدء ملامح لعب تل ابيب بالورقة الكردية (هل هي صدفة ان تقوم مجموعة من حزب العمال الكردستاني بعملية عسكرية ضد الجنود الاتراك تزامنا مع مجزرة قافلة الحرية؟).
وعلى الصعيد الاوروبي، وجدت (انقره) نفسها في سباق خاسر عندما راهنت على 3 بالمئة من الجغرافيا التركية التي تقع في القارة الاوروبية وتركت 97 بالمئة من هذه  الجغرافيا في اسيا، محاولة لي عنق الحقيقة التي اكتشفت انها عصية مع الموقف المتصلب من قادة الاتحاد الاوروبي المضاد لدخول تركيا الاتحاد الاوروبي.
ربما تبحث تركيا، التي يحكمها حزب العدالة والتنمية، الغاء اتفاقية المياه التي تدخل حيز التنفيذ هذا العام، وذلك لتفادي احراجات داخلية تواجهها بسبب شح المياه في الداخل التركي وتازمه في مناطق مثل اسطنبول خصوصا في فصل الصيف. وربما تريد انقره الافلات من الاتفاقيات العسكرية والامنية التي تضع تركيا في مواجهة العرب، بينما تؤسس الى العودة للجذور الشرقية الاسلامية ولعب دور اكبر في الاقليم..دور سيكون بالضرورة على حساب الدور الاسرائيلي والامريكي او بموافقة الاثنتين عليه بعد تعديل قواعد اللعبة وتوزيع الحصص. لكل ما سبق، ينبغي اثارة التساؤل المشروع حول الدور الرسمي العربي الذي يتوجب على العواصم العربية التفكير فيه في ظل مرحلة خلط الاوراق..وهذا ما نحاول التطرق له غدا.

6 يونيو 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro