English

 الكاتب:

القدس العربي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

النفط والديمقراطية... الثنائية المستحيلة
القسم : سياسي

| |
القدس العربي 2010-06-04 18:31:23


أحمــد طيباوي:
يمكن لاعتماد بلد ما في اقتصاده بشكل شبه كلي على النفط أن يؤثر على مسيرة الانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي فيه بطريقة سلبية. يحدث هذا التأثير السلبي بواسطة عاملين مختلفين في المصدر ومتشابهين في الغاية، أحدهما خارجي والآخر داخلي.
بالنسبة للعامل الأول، لا يخفى على المراقب العادي المكانة التي يتمتع بها النفط والغاز بالنسبة للعالم أجمع كمصدر للطاقة يغذي الاقتصاديات الشرهة والمتنامية باطراد، وخاصة بالنسبة للدول الغربية ومعها بعض دول آسيا، أي ما يسمى بـ 'الدول الصناعية'. تسعى هذه الدول إلى تأمين احتياجاتها من هذه المادة الإستراتيجية من خلال علاقاتها المتشعبة مع أنظمة الحكم في الدول المصدرة، علاقات أمنية ومالية وسياسية.
والتحالف مع هذه الأنظمة (غيرالديمقراطية في الغالب) يُشكل الدعامة الأساسية لبقائها في الحكم، من خلال تجاهل انتهاكاتها الصارخة للحقوق الديمقراطية الأساسية كالتعددية وحرية التعبير والتداول على السلطة. وفي هذا الصدد تؤدي عائدات النفط دورا حاسما في الحصول على الدعم الغربي لاسيما بالإنفاق على التسلح مما يجعل الشركات المُصنعة للسلاح واللوبيات الموالية لها في دواليب السلطة حليفا قويا لتلك الدول ومدافعا عنها داخل المنظومة الغربية والأمريكية خاصة.
علاقة الدول الغربية بأنظمة الحكم في الدول المتحكمة في منابع النفط أو التي تحرسه على الأصح تحقق لها مصلحة مزدوجة، أولا تأمين احتياجاتها من البترول باستخدام أنظمة مطيعة ومهادنة ودعمها سياسيا وأمنيا، وثانيا قطع الطريق أمام إقامة حكومات ذات توجه مستقل في السياسة والاقتصاد قد تحاول استغلال الثروة النفطية ومداخيلها في الاستثمار الحقيقي وتنويع مصادر الدخل في الاقتصاديات الوطنية وإخراجها بالتالي من التبعية. 
الطاقة هي المحرك الأساسي للسياسات الغربية في المنطقة العربية، وإذا حدث وأن وجدت بعض الأنظمة المناوئة أو المشاكسة فإن إزالتها بالحرب أو بتأجيج الفتن الداخلية أو بالحصار هو الطريق المتبع بلا تردد.
من هذا المنظور فإن اعتماد بعض البلدان العربية على النفط كمصدر وحيد للدخل كان وبالا على تقدم الوضع الديمقراطي بها. لقد نشأ تحالف قوي ومتين مابين أنظمة أحادية الفكر والمنهج وبين قوى كبرى همهاالأول هو الطاقة. ومع الازدياد الكبير في حاجة الغرب إلى النفط كطاقة رخيصة الكلفة وصعوبة إيجاد بدائل له من مصادر الطاقات المتجددة في الأجل القريب فإن الاتجاه الأكثر ترجيحا هو استمرار علاقة التحالف مابين نظام داخلي منقطع عن قواعده الشعبية وبين القوى الخارجية في عرقلة مساعي دمقرطة المجتمعات العربية، وإجهاض أي محاولة جادة للسير في هذا الاتجاه نظرا لما تمثله من خطر مزدوج على بقاء تلك الأنظمة في الحكم، وعلى التحكم في مصادر الطاقة بالنسبة للدول الصناعية.
إن تجربة غزو العراق ومحاولة تفكيك السودان وعزل فنزويلا والاصطفاف ضد إيران و.. هي أمثلة دالة على السياسة الغربية تجاه الدول المهددة للأمن الطاقوي الخاص بها. ليس المعيار في التعامل لديها هو مدى ديمقراطية تلك الأنظمة أو تسلطها، بل توجهها فيما يتعلق بإمداد الولايات المتحدة وحلفائها بالطاقة.
إن وجود النفط في دول المنطقة واعتمادها عليه بالكامل وكذا موقعها الجغرافي المتميز في قلب حركة التجارة العالمية، جعلها دائما في صلب الاهتمام الغربي ونطاق تدخله مما أثر بالسلب على تحولاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأبعدها عن الصعود نحو النظام الأمثل لإدارة شؤونها الداخلية ومواردها الاقتصادية، أي بماء نظام سياسي يسير باتجاه الديمقراطية الحقيقية.
وحتى الدول التي تحاول الابتعاد عن الخضوع التام والمطلق للإدارة الأمريكية دون إثارة المشاكل معها تجد نفسها أمام مساحة ضيقة للمناورة، إذ يحدها الوضع الداخلي المعقد وتناقضاته المربكة. وبالطبع فإن السير على حد السيف ليس سهلا على الجميع، لكنه يزداد صعوبة بالنسبة لأولئك الذين لا ينوعون مصادر دخلهم فتبقى اقتصادياتهم تابعة للتقسيم الدولي للعمل، وجزءا معتبرا من قوتهم يتحكم فيه الآخر.
ويبقى السؤال: أين هي عملية التفاعل الداخلي بين مكونات المجتمع كعامل يدفع باتجاه الديمقراطية في البلدان النفطية بعيدا عن التدخل الخارجي؟ للإجابة على هذا التساؤل يجدر فهم علاقة الدولة النفطية بمختلف الفئات الاجتماعية ودورها الاقتصادي. يستخدم اصطلاح الاقتصاد الريعي بشكل أساسي للحالات التي يؤدي فيها الريع دورا معتبرا في الحياة الاقتصادية لبلد ما. والريع في مفهومه الواسع يشمل كافة المداخيل الراجعة إلى هبات الطبيعة. تعتمد الدولة الريعية على إحدى المميزات الموجودة في الطبيعة ولا دخل للإنسان بها. وتقوم بتصديرها للخارج نظرا لأهميتها النسبية في الاقتصاديات الأخرى وتتلقى مقابل ذلك إيرادات ذات وزن ودور لا غنى عنهما في اقتصادها المحلي.
وفي أوضاع الدولة النفطية تبدو الأمور أكثر وضوحا في أن مصدر النشاط الاقتصادي هو إيرادات النفط الخارجية، بحيث يمكن اعتبارها الأساس في ذلك النشاط. والمقصود هنا على وجه التحديد بـ(الدولة النفطية) ليس كل بلد له وفرة من النفط أو الغاز، بل إن هذا الوصف يشمل فقط تلك البلدان التي تحوز هذا المورد المهم وتعتمد عليه اعتمادا شبه مطلق في تكوين دخلها الوطني، وتتميز كذلك بأن بكون مصروفاتها تمثل جزءا معتبرا من إجمالي ناتجها القومي. 
وفي حالة الدولة الريعية/ النفطية تكون الفئة المشتغلة بالقطاع النفطي هي المساهم الرئيسي في تكوين الدخل الوطني، أما باقي الفئات وعلى اتساعها فليس لها سوى دور هامشي في الاقتصاد لا يعدو أن يكون منتفعا بالمداخيل الريعية. ومنه فالدولة تمتلك إيرادات كبيرة لا علاقة لأغلب فئات المجتمع بإيجادها، فتكون بالتالي منقطعة الصلة عن تلك الفئات إلا بالقدر الضروري، وارتباطها الأساسي يكون بالخارج، ونظرها دوما مشدود إليه بما أن أسواق المواد المصدرة والأسعار المحددة بواسطتها غير متحكم فيها داخليا.
ينحصر الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة النفطية (النفط في حالة الجزائر وكثير من البلاد العربية هو النفط) في تخصيص الموارد أو توزيع إيرادات النفط، كما أنه العلاقة الوحيدة التي تحتاجها لإقامة اقتصادها المحلي. يظهر هذا الدور بجلاء في سياسة الإنفاق الحكومي الموسع لإيرادات النفط، هذه السياسة التي تزدهر في فترات انتعاش الطلب العالمي عليه وارتفاع الأسعار، هنا يصبح الإنفاق هدفا بحد ذاته، وبرغم أنه يساهم بقسط وافر في تحقيق النمو حسب قانون المضاعف الكينزي، إلا أن النمو المحقق بواسطته في غالب الأحيان هو نمو أخرس أو نمو رديء وفق تسمية تقارير الأمم المتحدة، لأنه يكون على حساب تعطيل الدولة لمزيد من الحريات الفردية والجماعية للمواطنين، أو لا يشمل كافة الفئات والشرائح بنفس المقدار. 
بعد هذا المرور السريع على مفهوم الدولة والاقتصاد الريعين وإدخال الجزائر ودول النفط العربية في إطارهما، يمكن أن نجيب عن السؤال الخاص بدور الوضع الريعي للاقتصاد في تعطيل عملية التقدم الديمقراطي. 
لا تساهم أغلب الفئات والقطاعات في إيرادات الدولة النفطية إلا بقدر يمكن الاستغناء عنه، في حين أن تلك الفئات والشرائح العريضة تستفيد من منافع الاقتصاد الريعي بغض النظر عن درجة تحقيقها لما هو مطلوب منها اقتصاديا.وتوجد حقيقة مفادها أن الناس يُستدرجون طبيعيا للتلاحم في مواقفهم حسب مصالحهم الاقتصادية كما أن الجماعات التي لا تجد وسيلة للتأثير في صنع القرار لصالحها تأخذ في المطالبة بإجراء التغييرات المناسبة في مؤسسات الدولة. وهنا تظهر العلاقة الطردية ما بين الاعتماد القوي للدولة في إيراداتها على النفط وضعف القاعدة الاقتصادية التي تجمع الأفراد للمطالبة بحقوقهم السياسية، إنهم لا يساهمون في الدخل وإذا ليس لهم الحق في اتخاذ القرار والمشاركة السياسية، ويصبحون اقتصاديا وبالتالي سياسيا مجرد أتباع ورعايا يسعون وراء منافع فردية أثناء قيام الدولة بإعادة تدوير العائد النفطي في شكل إنفاق حكومي موسع هدفه الأساسي تكريس الوضع القائم والحفاظ على نقطة الاستقرار الحالية.
إن تنويع الاقتصاد يعني اعتماد الدولة في إيراداتها بشكل رئيسي على الضرائب، ومعروف تماما أنه لا ضريبة بلا تمثيل، إذ كلما اعتمدت الدولة اعتمادا جوهريا على الضرائب أصبحت قضية الديمقراطية لا مناص منها وإن تأخرت لأسباب أخرى.
إن ما يمنع الاقتصاد النفطي أن يتحول إلى اقتصاد إنتاج متنوع القطاعات هو أن الحكومات في البلاد النفطية تختزل،عن قصد أو غير قصد، السياسات الاقتصادية إلى مجرد ميزانيات سنوية متتابعة لتوزيع إيرادات النفط، وإعادة تدويرها في شكل إنفاق موسع على البنية التحتية والقطاع العمومي والخدمات من أجل تحقيق نمو لا ينعكس بالضرورة في صورة توزيع عادل للثروة.
والتوزيع غير العادل للثروة برغم تأثيره السلبي على فئات كبيرة وتهديده للاستقرار الاجتماعي والسياسي إلا أنه ليس حافزا كافيا لتلاحم الناس وتوحد الجماهير ومحاولتهم إحداث تغييرات سياسية، وحتى إن وقع تحرك اجتماعي من بعض القطاعات الخدمية مطالبا بالعدالة في التوزيع فإنه سرعان ما يتم استيعابه واحتواؤه بسهولة بتوجيه مزيد من الموارد إسكات القائمين عليه.. تقوم الطبقة الحاكمة بإعطاء المنافع والامتيازات لكل فئة أو جماعة بحسب ثقلها النسبي في التكوين السياسي والاجتماعي وكذلك حسب قدرتها على تهديد الاستقرار القائم. وبمعنى آخر، إذا ما تزايد وزن أو تأثير فئة معينة فإن الدولة تعمد إلى رفع نصيب تلك الفئة من المنافع البترولية، وهذا يتحقق بيُسر خاصة في حال توافر إيرادات ضخمة من النفط نتيجة ارتفاع أسعاره دوليا.
وفي هذا الإطار أيضا قد تعمد الدولة النفطية إلى إنشاء أو إقامة هيئات تمثيلية للتنفيس أو للترويح عن الشعور بالإجحاف لدى بعض الفئات، لكن هذه الهيئات هي في حقيقتها مقطوعة الصلة كليا عن من تمثلهم ظاهريا، ومجرد ديكور سياسي، أما أعضاؤها فيدخلون ضمن الفئات والشرائح المتصارعة على أخذ نصيب من الغنيمة النفطية. 
وبهذا يُختصر النقاش والعمل السياسي برمتهما في الحديث عن عدالة التوزيع، أما الحل بالنسبة للفرد الذي يشعر بأن منافعه قليلة هو أن يناور على مغانم شخصية ضمن الوضع القائم، وفي المحصلة يفضل هذا الطريق على التحالف مع الآخرين في غالب الأحيان لأنه مساهمته أو مساهمة جماعته في تكوين دخل البلد قابل للاستغناء عنها، ولا يشكل أهمية اقتصادية كبرى. وتظهر عقلية أو سلوك اجتماعي لفئات تحصل على نصيب من الناتج دون أن يكون لها إسهام أو مسؤولية خاصة في تحقيق هذا الناتج (ينفصل العائد عن الجهد المبذول). ويمكن القول بأن معظم الثروات الخاصة/الفردية لم تتكون بعيدا عن ممارسات السلطات العامة في مجال سياسة الإنفاق، وقد يكون البحث في هذا الإطار عن الأسباب العميقة للفساد في البلاد العربية مفيدا.
ويضاف إلى ذلك أن الدولة هي أكبر مُستخدم، أي أكبر من يوظف الموارد البشرية، لتكرس تبعية الجميع للقطاع العام. وهي في ذلك تحول استقطاب كافة الشرائح بإغرائهم بنصيب من منافع النفط.
في وضع كهذا تسقط أي دوافع اقتصادية حقيقية لدى الفرد والجماعة قد تدفع للتحرك من أجل المطالبة بإقامة ديمقراطية تمثيلية، ولا يبقى سوى بعض الأفكار الدينية أو العوامل الثقافة أو اللغوية أو الجهوية من شأنها تجميع الناس وتحريكهم، وحتى هذه لا تلبث أن تنتهي إلى الفشل الذريع نتيجة هشاشة القاعدة التي تستند عليها ومحدوديتها في الزمان والمكان، وكذا قدرة الدولة وتحكمها في الموارد الأساسية وطرق توزيعها.
وقد يكون من المفيد القول أن كل هذا التركيز على ضرورة وجود اقتصاد متنوع وحر كأساس يساعد على إقامة ديمقراطية حقيقية لا يعني أن دول الإنتاج ذات الاقتصاديات غير الريعية هي دول تشهد حالة من الازدهار الديمقراطي، ولكنها الأقدر على التحول نحو الوضع الديمقراطي من البلدان النفطية. 
إن وجود البترول في أي بلد هو مورد وثروة وميزة مهمة للبلد، غير أن النظرة إليه وسبل التصرف فيه هي ما يجعله يصبح عبئا ثقيلا على السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلى المسار العام للدولة ومكوناتها المختلفة، بل وعلى المنطقة بأكملها حيث يوجد. 
وبالإضافة إلى ما سبق ذكر من تأثير العاملين الخارجي والداخلي على نشوء الديمقراطية في البلاد العربية المعتمدة على النفط، فإن للعوامل الثقافية والتاريخية وحتى الدينية دورا كبيرا على مأزق التحول الديمقراطي.
باحث جامعي من الجزائر
1 مايو 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro