English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الخصخصة: المتطلبات والتحديات (3)
القسم : اقتصادي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-05-16 08:18:35


رغم أن الخصخصة في مفهومها العام هي «فلسفة اقتصادية حديثة ذات استراتيجية لتحويل عدد كبير من القطاعات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية التي لا ترتبط بالسياسة العليا للدولة من القطاع العام إلى القطاع الخاص. فالدولة، في المفهوم الاقتصادي الحديث، يجب أن تهتم بالأمور الكبيرة كالأمور السياسية والإدارية والأمنية والاجتماعية التي ترتبط بسياستها العليا، أما سائر الأمور الأخرى فيمكن تأمينها من قبل القطاع الخاص، وذلك في إطار القوانين والأنظمة التي تضعها الدولة وتنظم من خلالها عمل هذا القطاع»، لكن ذلك لا يعني، كما تجمع الدراسات التي تناولت موضوعة الخصخصة، أن هناك نوعاً واحداً منها، أو أسلوباً فريداً في تطبيقها. ولذلك فإن هناك أنواعاً مختلفة منها تبدأ، في مراحلها الدنيا والبسيطة، بتخصيص الإدارة، ثم يرتفع مستوى الأشكال الأخرى كي تصل إلى التأجير، ثم إلى البيع الجزئي، الذي قد يتسع نطاقه كي يبلغ البيع الكلي وصولاً إلى الاكتتاب العام. ولكل نوع من أنواع الخصخصة هذه متطلباته التي تقتضيها شروط نجاحه، وتحدياته التي يضعها في وجه من يأخذ بالخصخصة وسيلة لتطوير الأوضاع الاقتصادية في بلده أو أسواقها.
وإذا ما أردنا أن نرصد المتطلبات فسنجد أنها كثيرة ومتشعبة، لكن أكثرها أهمية هي:
1. الاستقرار السياسي، وهو أمر تلح على توافره العديد من الدراسات من نمط تلك التي كتبها الأستاذ بكلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير في جامعة الجزائر غرداين عبدالواحد، حيث أكد «أن المقارنة بين المناخ السياسي السائد في السبعينيات والمناخ السياسي الذي حل محله في تركيا في الثمانينيات يظهر لنا الدور الكبير الذي تلعبه الأوضاع السياسية والاجتماعية في إنجاح الجهود الرامية للإصلاح والتنمية الاقتصادية».
ويستشهد عبدالواحد بعد ذلك بالتجربة التشيلية، بعد التدخل السافر الأميركي والإطاحة بحكومة سيلفادور أليندي اليسارية، حيث حرصت الحكومة الجديدة حينها على «توفير الأمان والاستقرار السياسي والاجتماعي للمجتمع التشيلي. وكان ذلك المناخ الجيد أحد العوامل القوية وراء تنفيذ برنامج وطني ضخم للخصخصة عن طريق طرح عدد كبير من مؤسسات الدولة للبيع، واستخدام حصيلتها في سداد ديون حكومة التشيلي، وتحسين وتوسيع البنية التحتية».
لسنا هنا بصدد تقويم التجربة التشيلية، بقدر ما أردنا الإشارة إلى أن الاستقرار السياسي كان عنصراً مهماً من العناصر التي لا تستغني عنها الخصخصة.
2. النظرة التخصيصية المتكاملة، فأكبر خطأ يمكن أن ترتكبه أية خطة خصخصة هو حصر نفسها في إطار إداري محض، يقوم على إجراءات روتينية متتابعة لا تتجاوز الرغبة في تحويل الملكية من يد الدولة إلى يد القطاع الخاص.
إن أحد أهم الضمانات التي تحتاجها الخصخصة، هو رؤية ذلك التحول التدريجي من العام إلى الخاص في نطاق خطة إصلاح اقتصادي متكاملة تضمن تقليص سيطرة وبيروقراطية، وأحيانا فساد القطاع العام من جهة، والاستفادة من دينامية القطاع الخاص، وسرعة حركته، وقدراته الإبداعية، وعمق شفافيته من جهة ثانية.
والأهم من ذلك كله، ألا تكون الدولة حينها تحكمها ذهنية تحميل القطاع الخاص أعباء شركاتها التي تعاني من خسائر لا تغري القطاع الخاص بشرائها.
3. التحول التدريجي الطويل الأمد، فلا يمكن لسياسة خصخصة أن تكون ناجحة عندما تنفذ بموجب قرارات فوقية تحكمها أوهام قدرتها القسرية على إحداث التحول نحو الخصخصة بقرار مفاجئ يتطلب قبولاً مطلقاً من قبل القوى الضالعة في خطط الخصخصة.
لابد من الاقتناع بأن الخصخصة الناجحة هي عملية طويلة الأمد متدرجة وسلمية تتم على مراحل متعددة، تحقق كل منها أهدافاً قصيرة الأمد تشكل محصلتها النهائية الخميرة المناسبة لإنجاح مشروعات الخصخصة.
إذاً فالتدرجية المرحلية التي توازن بين الأهداف التكتيكية القصيرة الأمد، وتلك الاستراتيجة البعيدة المدى، هي القادرة على إنجاح برامج الخصخصة وخططها. هنا تبرز أهمية الموازنة الدقيقة بين حث الخطى بشكل صحيح، دون البطء غير المبرر، أو الإسراع غير المطلوب.
4. التوافق مع آليات وقوانين العولمة، حيث من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، وخاصة بالنسبة للدول الصغيرة الوقوف في وجه موجات العولمة العاتية، ولذلك وبدلا من التصدي لها، أو الوقوف في وجهها، يصبح من الأفضل خلق عوامل التفاعل الإيجابي معها، دون أن يكون ذلك على حساب المصلحة الوطنية الشاملة، أو التضحية، غير المبررة، ببعض الصناعات المجدية وطنياً، والمتضاربة مع شروط وقوانين العولمة دولياً. هنا يجد من يلجأ للخصخصة نفسه أمام أحجية أيهما يسبق الآخر البيضة أم الصوص، بمعنى أيهما ينبغي أن ينال القبول ويحصل على حصة الأسد: الخضوع المطلق، والقبول المسلوب الإرادة لقوانين العولمة، حتى وإن كانت على حساب ازدهار الاقتصاد الوطني، أو الاصطدام بتلك الموجة، واحتمال التعرض لسياسات العزل والمقاطعة.
والخصخصة الناجحة هي التي تلبي احتياجات هذا الشرط بالتوازن المطلوب، بين التفاعل الديناميكي الإيجابي مع قوانين العولمة، وحماية الاقتصاد الوطني والدفاع عن خططه، بما فيها خطط الخصخصة.
5. توافر القوانين والتشريعات الصحيحة، فما لم تسيج سوق الخصخصة مجموعة من القوانين والأنظمة التي تدير آليات الخصخصة، وتحمي المؤسسات التي تنخرط فيها، على الصعيدين السياسي والمالي، ستصدم برامج الخصخصة وخططها بعزوف القطاع الخاص عن التفاعل الإيجابي معها، الأمر الذي من شأنه أن يفقدها أحد أهم مرتكزاتها.
هذا يتطلب من الدولة التي تنحو نحو الخصخصة أن تسبق سنها القوانين التي تضمن نجاح مشاريعها التخصيصية، أن تقرأ بشكل صحيح واقع وإمكانات القطاع الخاص فيها ومدى قدرته على التفاعل الإيجابي مع تلك القوانين.
مرة أخرى، هنا سيجد الضالعون في برامح الخصخصة أنفسهم أمام منعطف خطير يخيرهم بين التمسك بالقوانين القديمة، والخضوع لها، أو التخلص منها تدريجياً وبشكل سلمي، واستحداث أخرى تتناسب ومتطلبات خطط الخصخصة الناجحة
 
الوسط - 16 مايو 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro