جمعية العمل الوطني الديمقراطي - وعد - بين المفاوضات غير المباشرة والسلاح النووي

English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

بين المفاوضات غير المباشرة والسلاح النووي
القسم : شؤون عربية

| |
السفير 2010-05-12 09:40:43


فواز طرابلسي:
يكاد الموضوع يُقرأ من عنوانه. المفاوضات غير المباشرة لا تبشّر بغير المراوحة حتى لا نقول الفشل وتضييع الوقت.
قبل أن يمضي يوم على إطلاقها، أعلن مسؤولون إسرائيليون أن بناء 14 وحدة سكنية في باب العمود بالقدس الشرقية مستمر.
أحال الرئيس الفلسطيني الموضوع على الوسيط الأميركي. والمتوقع أن يأتيه الجواب بأن هذا «الخرق» لا يصل إلى مستوى تهديد عملية «بناء الثقة». وجدير بالذكر أن الرئيس محمود عباس كان قد تنازل عن تجميد الاستيطان في كامل مناطق القدس شرطاً للتفاوض، مكتفياً بـ«ضمانة» أميركية بتجميد الاستيطان لمدة أربعة أشهر دون الإعلان عنه.
تبدأ المفاوضات بخلاف على جدول الأعمال. يريد المفاوض الإسرائيلي الأولوية للبحث في الترتيبات الأمنية. وهو منسجم في ذلك مع كامل رؤيته لغرض المفاوضات: تعزيز دور السلطة الفلسطينية في الحفاظ على أمن إسرائيل من... الفلسطينيين. فيما الطرف الفلسطيني يسعى لأولوية البحث في الحدود على اعتبار أن موقف الولايات المتحدة من العودة إلى حدود 1967 مع تبادل الأراضي قريب من الموقف الفلسطيني. يستبعد تذليل هذه العقبة قبل الانتقال إلى الخلاف الأشد أهمية حول قضايا الحل النهائي.
لسائل أن يسأل: ما الغرض من مفاوضات مدتها المعلنة أربعة أشهر لم تبدأ تأسيساً على أي تقدم أحرز في مواضيع الخلاف التي توقفت عندها المفاوضات المباشرة قبل سنة؟ بل ما الجدوى منها علماً أن التغيير الذي طرأ هو ازدياد الموقف الإسرائيلي تطرفاً مع مجيء بنيامين نتنياهو إلى الحكم؟
لعل الجواب يكمن في عبارة «بناء الثقة». كأن الغرض من المفاوضات غير المباشرة ليس بناء الثقة بين المتفاوضين، كما يزعم الوسيط الأميركي، بقدر ما هو إعلان الطرفين الثقة بالولايات المتحدة. ثقة تضاف إليها الثقة العربية الرسمية التي أجازت للرئيس عباس التفاوض باسم مبادرة السلام العربية. وقد حشرت جامعة الدول العربية نفسها في تلك المفاوضات على أمل تعويم مبادرتها التي ازدرتها إسرائيل وحوّلتها الدبلوماسية الأميركية إلى ما يشبه نقيضها.
يتبارى طرفان من أجل منح الولايات المتحدة الثقة والتنافس على كسب ثقتها. مع فارق كبير بينهما: طرف قوي كيف يضغط على الولايات المتحدة وطرف لا يعرف إلا تلقي الضغوط. واحد يربح الوقت وثانٍ يخسر مع كل دقيقة وقت تمضي. واحد يتطلّب والثاني يتنازل.
كيف وصل الأمر إلى هذه المواصيل؟ لعل الجواب في الهمود المذهل للمبادرات العربية والحلول في منطقة عرفت من الانقلابات والتحوّلات المذهلة ما قلب كل شيء رأساً على عقب في حين لا يزال العمل العربي جارياً على قاعدة أن 99% من أوراق حل النزاع العربي الإسرائيلي هي بيد أميركا.
بدا لوهلة أن «الأوراق» الأميركية جاهزة للاستخدام على طاولة المفاوضات لمصلحة حل متوازن وعادل يقوم على مبادلة الأرض مقابل السلام، وحق تقرير المصير للفلسطينيين في الدولة والعودة، حسب قرارات الأمم المتحدة. فتبيّن أن الأوراق المقصودة هي تنازلات عربية طالبت الإدارات الأميركية المتعاقبة الأنظمة العربية بأن تقدمها لها لقاء رعايتها «الحل». بعضها قدّم طوعاً والبعض الآخر انتزع انتزاعاً:
÷ أخرجت مصر والأردن من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي بواسطة معاهدات السلام وأخرج العراق منها بواسطة الاحتلال الأميركي، وجرى تسريح العنصر الحيوي الضارب من أكبر الجيوش العربية وتغيير تسليحه وعقيدته القتالية، في الوقت الذي انتشرت فيه القواعد العسكرية الأميركية في الخليج.
÷ أعيدت هيكلة الاقتصاديات العربية والتخلي عن التنمية الاقتصادية لمصلحة آليات السوق وربط الأقطار العربية في علاقات ثنائية بالحواضر والعواصم الغربية وتفشّت الاقتصاديات الريعية الفاحشة والنزعات الاستهلاكية.
÷ أخرج النفط العربي من النزاع العربي الإسرائيلي. بل من أي دور ممكن في التنمية العربية المستقلة. وأعيد تدوير عائدات النفط والغاز العربيين ليعود معظمها إلى مصادره في العواصم الغربية من خلال الإيداع في المصارف والتوظيف في سندات الخزينة والاستثمار في كبريات الشركات الأميركية والأوروبية ناهيك عن مشتريات السلاح ومستوردات الاستهلاك الباذخ. أخيراً وليس آخراً، جرى ويجري التعويض عن دور النفط في نقل العرب إلى القرن الواحد والعشرين بتعميم خرافة الانتقال إلى «مجتمع المعرفة» مختزلة إلى تنمية التعليم وتسابق الأنظمة النفطية على تمويل مشاريع الترجمة، في عالم عربي سوف يرمي إلى الأسواق بمئة مليون باحث عن عمل خلال السنوات العشر المقبلة!
÷ تحوّلت الولايات المتحدة الأميركية إلى الضامن الرئيسي لشرعية أنظمة الاستبداد السلالية منها والدكتاتورية ومصدر إجازة التوارث والتوريث فيها.
÷ تمّ الإجهاز على أي دور فعّال لجامعة الدول العربية في التنسيق أو في فض النزاعات بين الدول العربية.
ما معنى كل هذا؟ معناه أن الذين يحذرون من «المشروع الأميركي الصهيوني» الساعي للهيمنة على المنطقة يتناسون أن «المشروع» العتيد قد حقق قسماً كبيراً من عناصر هيمنته. بعبارة أخرى، لقد جرى تجويف الأرض العربية، اقتصادياً واستراتيجياً وسياسياً وثقافياً، من تحت فلسطين قبل الانقلاب على فلسطين ذاتها. وفي العملية ذاتها، انقلبت معادلة الحرب والسلام.
والآن وكل هذه الأوراق بيد أميركا، ولم يعد ثمة من خطر التعارض بين مصالح أميركا النفطية ومصالحها الإسرائيلية، ما الحاجة لآن تضغط أميركا على إسرائيل؟ فهل غريب أن تتحوّل تلك «الأوراق» أوراقاً للضغط على العرب ببرنامج تسوية هذه أبرز نقاطه:
÷÷ إعادة تعريف السلام بما هو دور الدول العربية في الحفاظ على أمن الدولة الصهيونية بعد الاعتراف بيهوديتها.
÷÷ فرض التطبيع العربي شرطاً للبحث في الانسحابات من الأراضي المحتلة ومقدمة لها.
÷÷ تحوير العداوة العربية من إسرائيل إلى إيران.
÷÷ مبادلة السلام بالسلام على اعتبار أن من يمنح السلام هو من يملك القدرة على الحرب.
وماذا في المقابل؟ الإمعان في لوك المطالب والشعارات المكرورة والتعبير عن مواهب استثنائية في تضييع الوقت والفرص.
عندما تقدمت مصر بمبادرتها من أجل شرق أوسط خال من السلاح النووي، في مؤتمر واشنطن الأخير، بدا كأن الطرف العربي نجح لمرة في إطلاق حملة دولية كسرت الحرم المفروض منذ عقود على موضوع السلاح النووي الإسرائيلي. لم تخفِ إسرائيل الرسمية قلقها من المبادرة منذ اللحظات الأولى. رأى وزير الدفاع إيهود باراك أن الحملة تشكّل «خطراً حقيقياً أو كبيراً على الموقف التقليدي لإسرائيل التي تعتمد سياسة الغموض النووي». والغموض النووي هو الاسم المستعار للتستر الأميركي والغربي على السلاح النووي الإسرائيلي وإحباط أي قرار دولي يلزم إسرائيل الانضمام إلى معاهدة الحظر النووي أو يطالبها بنزع سلاحها النووي.
في الوقت الذي تتعالى الضجة في إسرائيل خوفاً من مبادرة الشرق الأوسط الخالي من السلاح النووي، وتلوح إمكانية بناء جبهة دولية لطرح مطلب شرق أوسط خال من السلاح النووي، أين صارت المبادرة المصرية؟ هل لا تزال مستمرة؟ أم هل عاد بنيامين نتنياهو من قمة شرم الشيخ حاملاً وعداً من الرئيس مبارك بطويها؟ التطوّر اللافت في هذا المجال هو التقاط الرئيس الأسد المبادرة ومطالبته الرئيس الروسي الذي يزور دمشق العمل لجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة منزوعة السلاح النووي.
يبقى السؤال عن الموقف السعودي ودول مجلس التعاون الخليجي. للعلم: استضافت الرياض الشهر الماضي مؤتمراً للبحث في «الخطر النووي» الإيراني، قلّب كل أوجه «الخطر» النووي الإيراني المفترض ولكنه لم تسمع فيه كلمة تمس الـ300 رأس نووي إسرائيلي!

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro