English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تحديث الاستبداد .. نموذجنا البحريني
القسم : سياسي

| |
2010-03-08 08:09:45


مرت البحرين بفترة زمنية عصيبة، اشتدت توتراً واضطرابا في السنوات التي سبقت إقرار الميثاق الوطني الذي ساهم في مناقشته والتوافق عليه هيئة وطنية ضمت نخبة من رجالات البحرين تميزت بتنوعها وتمثيلها لمعظم الاتجاهات الفكرية والدينية.
 
 كان المخلصون من أهل البحرين حكاماً ومحكومين في غاية الفرحة لاعتقادهم بأن خلاصة الميثاق كانت متوازنة وتحفظ الحد الأدنى من الحقوق لجانبي المعادلة، جانب الحكم وشرعيته والجانب الشعبي (المواطنون) وحقوقهم وتطلعاتهم المشروعة في المشاركات السياسية عبر وسائل وآليات واضحة، ديمقراطية وإن كانت غير كاملة.
 
 كان الجميع يتطلّع إلى المستقبل بتفاؤل وأمل، ولم يكن غريباً على المناضلين البحرينيين داخل البحرين وفي المنافي القسرية ممن تعرضوا لأبشع صنوف التنكيل من قمع وسجون وتعذيب وملاحقة ومحاربة في الرزق وتشويه سمعة من قبل الآلة الإعلامية للسلطة، لم يكن غريباً عليهم أن يضعوا الملح على الجراح ويختاروا الصفح من أجل محبوبتهم البحرين ومستقبلها، لم يكن غريباً على هؤلاء الوطنيين أن يقابلوا الخطوات الجريئة الغير مسبوقة للملك في إلغاء القوانين الاستثنائية ومن ضمنها قانون أمن الدولة سيء الصيت والإفراج عن السجناء السياسيين وإلغاء الأحكام القضائية الجائرة بحقهم ثم السماح للمبعدين والمنفيين السياسيين بالعودة لوطنهم والبدء بتأطير أنفسهم في منظمات سياسية أهلية تمثلهم في حراك سياسي سلمي يتسم بحد أدنى من حرية التعبير، أقول لم يكن غريباً على هؤلاء الوطنيين أن يقابلوا خطوات الملك بمثلها وحتى بأحسن منها حتى أصبح اسم البحرين رمزاً لإرادة التسامح والإصلاح السياسي بعد أن كانت قلعة من قلاع الرعب والاستبداد والقمع البوليسي.
 
ولحسن ضنهم بما أتى به الميثاق واندفاعهم الصادق لمؤازرة عملية التحوّل الديمقراطي، كان تأييدهم قويا للميثاق الوطني مما مكنه من تحقيق نسبة موافقة شعبية شبه إجماعية. ولكن غلب الطبع التطبع كما يقال، وتكشفت النوايا في زمن قياسي، وقطع الطريق بواسطة المتربصين المتمترسين خلف مصالحهم، وبدأ الأمل بالتلاشي وتيقن المخلصون بأن تلك الحركة الهائلة والمنظمة من قبل الحكم، ما كانت سوى خلطة مبيته للالتفاف على المأزق الدستوري والشعبي، فكان أول المستهدفين هو دستور البحرين المقر من قبل المجلس الوطني في عام 1973م، فضرب بدعوى تفويض الميثاق للأمير (الملك لاحقاً) بإجراء التعديلات الدستورية ثم الإخراج المسرحي للدستور الجديد الذي ولد على عكس الميثاق الوطني، بدون مناقشة، بدون استفتاء وبدون موافقة شعبية، في غرفة مظلمة لا نعرف – حتى هذه اللحظة – اسما لمن صاغه أو شارك في إعداده، هل أُعد هنا في البحرين أم ولد "ابن زنا" لشخص أو مجموعة أشخاص من الأجانب، من متجر من متاجر بائعي الضمائر المنتشرة مع الأسف على قارعة الطريق في أكثر من قطر من أقطار وطننا العربي، وبضاعتهم ككرامتهم النتنة معروضة للبيع بأبخس الأثمان، لقد استبشر المخلصون خيراً بالميثاق الوطني ورأوا فيه المقدمة الموضوعية لما هو أهم أي للدستور الوطني وهو العقد الاجتماعي والمرجع القانوني الذي يربط المجتمع بعضه ببعض في إطار توافقي ويجنب البحرين أزمات إضافية من الانقسام والتناحر وعدم الاستقرار وما يترتب عليه من تبديد وهدر للموارد والطاقات الوطنية.
 
ولكن المُلك عضود كما يقولون، وكان للعناوين معانٍ أخرى وتبينّ أن العملية برمتها صممت لا لتحقيق حلم وحق الشعب في المشاركة السياسية عن طريق آلية الانتخاب الحر والمباشر لمجلس تشريعي تكون مهمته الأولى إصدار القوانين ومراقبة تطبيقها وإقرار الميزانية العامة ومراقبة عملية صرفها والإشراف على عمل الحكومة ومساءلتها عند الضرورة كما هو الحال في البلدان الديمقراطية، بل إن العملية سخرت لهدف رئيس هو تمرير "تعديلات دستورية" هي في الواقع إفراغ دستور البحرين لعام 73م من روحه وجوهره، وأتى الدستور الجديد (2002م) مسخاً قبيحاً غير مرغوب فيه مولداً للخلاف ومنتجاً للأزمات القادمة بدلاً من أن يكون جامعاً وموحداً ومرجعاً للجميع.
 
 وهناك اليوم إدراك شعبي متزايد بأنه لا يمكن تحقيق أي تقدم حقيقي في العملية السياسية الجارية دون إعادة الأمور إلى نصابها بمراجعة بنود الخلاف في "الدستور المعدّل" بروح من التوافق الوطني ثم طرحها على الشعب في استفتاء عام، دون ذلك لا شرعية دستورية للحكم – إذا كان حقاً الشعب هو مصدر جميع السلطات.
 
إعادة تنظيم للنظام الاستبدادي
لقد دشن انهيار الإتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي المتحالف معه، بروز حركات المطالبة بالديمقراطية وحدثت تحولات تاريخية في نظم الحكم في العديد من دول العالم سقط خلالها عدد من الطواغيت وبدأ عهد من التحديث السياسي على المستوى العالمي، شعرت الاتوقراطية العربية أنها أمام تحدي جدي يهدد وجودها إن هي لم تتأقلم معه وتعمل على إفراغه من محتواه، وكان لها ما أرادت، فقد سجلت نجاحات مهمة للتكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية، ساعدها على ذلك ضعف المعارضة في الداخل وعدم مصداقية القوى الخارجية في إدعاءاتها مساندة التحولات الديمقراطية ودعم الحريات وحقوق الإنسان. حشدت الأقلام وملئت الأجواء بتعابير وعناوين مفخمة مثل الملك "والملكية الدستورية" وراح المطبلون في سوق الأباطيل يكتبون عن تفوق "ملكيتنا الدستورية" عن الملكيات الدستورية في الدول الأوربية، واستمر عرض هذه المسرحية الهزلية الساخرة حتى لخطتنا الراهنة مع تأكد الجميع أن  القمع والمراقبة البوليسية والسياسات التمييزية وعمليات الفساد والمحسوبية بقت هي هي إن لم تكن تعمقت في المنهج وتوسعت في الممارسة ويمكن لأي محلل محايد أن يوثق أمثلة لهذا الاستبداد اللطيف كافية لملئ مجلدات عدة.
 
كما أنه ليس من المنطقي أن يستمر التحالف العضوي بين الأنظمة الأوتوقراطية العربية – دونها طبعاً نظام الحكم في البحرين – مع الدول الغربية والولايات المتحدة التي ما فتأت تنادي (وإن زوراً وبهتاناً) بمراعاة واحترام حقوق الإنسان والشفافية الاقتصادية ودمقرطة المجتمعات بنفس الشكل الفج والوحشي القروسطي ومن دون إحداث حتى بعض التغييرات السياسية الشكلية التي لا تمس الجوهر وخصوصاً فيما يتعلق بالسلطة والثروة، أي بالكيفية التي تحكم بها البلاد وإمكانية التداول السلمي للسلطة والكيفية التي يجري بها توزيع الثروة الوطنية.
 
ومن منطلق الدفاع عن الأوضاع القائمة وليس تغييرها كما يبدو ظاهراً للبعض، بدأت موجة تحديث وتكييف النظم الاستبدادية لتكون في موقع أقوى لمواجهة التحديات الداخلية النابعة من التحركات الشعبية المطالبة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية الحقيقية، ثم للتكيف مع الضغوط الخارجية المنبثقة عن حركة العولمة والثورة المعلوماتية التي كسرت بعض قيود التعتيم الإعلامي على حرية الرأي وانتقال الخبر والمعلومة وما سمي بمقتضيات الحرية الاقتصادية واتفاقيات التجارة العالمية وأخيراً ليس آخراً دعوات تعميم الديمقراطية وحقوق الأقليات والمرأة ومفاهيم دولة المواطنة ومنظمات المجتمع المدني (المنظمات غير الحكومية) المتعارضة جوهرياً مع مناهج وسياسات الاستبداد والتسلط.
 
من الاستبداد العاري إلى الاستبداد المغلّف.. ما لذي تغير؟  
أدوات نظام الاستبداد التقليدية المعروفة هي شرطة القمع وأجهزة المخابرات والتجسس على الشعب والسجون وزنازينها الرهيبة وجلاوزة القتل والتعذيب إضافة إلى القوانين الاستثنائية المتخلفة المدعومة بآلة إعلامية ضخمة مكونة محطات تلفزة وإذاعة وصحف ومجلات وجيش من الكذَبة والمرتزقة والمنافقين والمتلقين متعددي الجنسيات لتزيين الحكام ونظام حكمهم وتسقيط وتسخيف كل من يعارضهم.
 
أما في كنف الاستبداد المغلّف فقد تغيرت الوسائل والآليات، جنت السلطة ثمار التغيير المبرمج. أطلقت مئات المسجونين من سجونها فوفرت أمولاً طائلة كانت تصرفها على إقامتهم وإعاشتهم وحراستهم وكسبت سمعة في الداخل والخارج. قل غليان الشارع فوفرت السلطة قنابل مسلية للدموع ورصاص مطاطي وجهد ووقت كبيرين كان يكلفها غالياً وكسبت وضعاً أكثر استقراراً مكنها من جذب قدر لا بأس به من الاستثمارات الأجنبية التي تركزت في القطاع العقاري وبناء بعض الأسواق الفخمة، وقد ترجم هذا إلى ملايين إضافية تدفقت على جيوب أركان النظام  والبطانة الفاسدة القوية النفوذ والمتحكمة في دورة الحياة الاقتصادية فزادت تخمتهم انتفاخا وحرمت الأغلبية الشعبية من القدرة على شراء أرض أو بناء مسكن حيث تضاعفت الأسعار مرات عدة فقتلت حتى حلم الطبقات الدنيا وحتى الوسطى بدفع تحويشة العمر لامتلاك منزل لائق، فلم تعد هذه التحويشة وإن كبرت تكفي لشراء أرض صغيرة. وقد تكالبت متطلبات المعيشة وأسعار المواد الغذائية على المواطن البسيط مع محدودية زيادة دخله مما دفعه إلى الحنين إلى مرحلة ما قبل هذه الطفرة العقارية، إلى ما قبل درة مارينا ومونيا ويست وأبراج اللؤلؤ وجنة دلمون المفقودة، فقد كان بإمكانه قبل هذه المرحلة أن يشد الحزام على بطنه ويوفر بعض المال لمستقبل أبنائه وما عليه سوى أن يمتع ناظريه بأبراج الفايننشال هاربر وينتظر ميزانية البيوت الآيلة للسقوط لعل الحظ يسعفه هناك، هذا بعض مما تغير وهناك أوجه أخرى، كتوسيع بعض المجالات السياسية – الانتخابية خصوصاً – حيث يمكن للنزاعات أن تظهر بأشكال مضبوطة ومسيطر عليها. وقد فصلت العملية الانتخابية على مقاس النظام بالضبط ولتخدم غاياته فتفنن في رسم الدوائر الانتخابية وتعمد عدم إعطاء أرقام دقيقة لعدد الأصوات في كل دائرة ومارس أسلوب المراوغة في ابتكار ما سمي "المراكز العامة" وحرص أن تكون العملية برمتها تحت إدارته ومراقبته الدقيقة (وزارة الخارجية) لتجنب أي مفاجآت – وكان لها ما أرادت.
 
ومن الوسائل المعتمدة لتحديث الاستبداد والتي تحظى باهتمام وعناية خاصة وتصرف عليها الأموال الطائلة هي عملية شراء عقول وضمائر بعض المفكرين لإنتاج أيديولوجيا ومفاهيم تتناغم ظاهرياً مع ما يشهده العالم المعاصر في مجالات التحولات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الاقتصادية مستهدفة إحداث التباس في الفهم لدى قوى المعارضة يؤدي في النهاية إلى تفريق صفوفها وإدخالها في جدل التحليلات المتناقضة واختلاف الرؤى وبالتالي استراتيجيات العمل.
 
ومن الوسائل الحديثة القديمة – ولكنها بدت هذه المرة أكثر وضوحاً – إتباع سياسة التفرقة والتمييز بين الناس، بين فئات وطوائف المجتمع، تقرب هذه وتبعد ذاك، تمنح الامتيازات لهؤلاء وتمنعها عن آخرين، لتنخرط بعض قوى المجتمع في صراع ومواجهة جانبية مع بعضه الآخر ولينشغل الجميع في خلافاتهم الثانوية عن هدفهم الوطني الجامع في نظام حكم ديمقراطي ودولة مواطنة حقيقيين، وفي خضم التناحر والتباعد الفئوي والطائفي البغيض يمكن لبرنامج تحديث وتطبيع الاستبداد أن تنجح بل وتصبح "المنقذ من ما هو أسوأ" والقبول بما هو "ممكن" وتبرر سياسات الخضوع بدعوى الواقعية ومراعاة موازين القوى والخوف من المجهول – أليس المريض وإن كان على وشك الموت أفضل من الموت نفسه؟  و"الأعور على العميان باشا؟؟" .. وهكذا فكلما أزداد اختلاف فئات المجتمع وانخراطهم أكثر في معارك جانبية وراء مصالحهم الضيقة الخاصة كلما إستتب الأمر للاستبداد وبعد أمل التغيير. لذا فليس من المستبعد أن يكون النظام المستبد هو من يقف بشكل مباشر أو غير مباشر وراء المتعصبين الذين يبذرون بدور التفرقة والخصومة بين أفراد المجتمع الواحد على أية ضفة كانوا.
 
لقد نجحت النظم المستبدة – على الأقل مرحلياً – في تبديل جلدها وتكتيكاتها السياسية وكسبت جولة من الصراع ضد خصومها السياسيين وتحولت من أنظمة قمع بوليسي عاري إلى أنظمة استبداد مغلف وتمكنت من ضرب قوى المعارضة السياسية وتفريق صفوفها وخلق الالتباس النظري في قضاياها بصورة أشد وأعمق من عهد هندرسون وجلاوزته. في زمن الاستبداد والقمع العاري كان للمعارضة صوت واحد أو صوتين أما الآن وفي زمن "الإصلاح" في عهد الاستبداد المغلف "اللطيف" فللمعارضة عشرات الأصوات الخافتة الباهتة الغير قادرة على الوصول لأدني الشعب البحريني دعك من قلبه، أما السلطة فبرز حزبها ورجالها المستميتون قي الدفاع عنها، الداعمون لها، بل والمحرضون على قسوتها وقمعها لمعارضيها، همهم مصالحهم التي تقتضي أن يكون في البحرين تمييز وإقصاء وحرمان، هم كمن يدعو المستبد للإمساك بقرني البقرة ليقوموا هم بحلبها، وصدقوني مثل هؤلاء لا يتبعون ديناً أو مذهباً سماوياً بل يتبعون مصلحتهم فالله حق وعدل ودين الله إتباع للحق وتحقيق للعدل والحق أحق أن يتبع. 
  
محمد نصيف
نشرة الديمقراطي العدد 57 - يناير / فبراير 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro