جمعية العمل الوطني الديمقراطي - وعد - الأمن القومي العربي ومسلسل الأسوار

English

 الكاتب:

زينب الدرازي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الأمن القومي العربي ومسلسل الأسوار
القسم : سياسي

| |
زينب الدرازي 2010-01-23 08:32:11


قرّر رئيس الوزراء الصهيوني بناء جدار إلكتروني يعتمد على التقنية المتطورة، بطول 255 كيلومترًا وكلفة 270 مليون دولار على الحدود مع مصر، لحفظ أمن الكيان الغاصب من التهديدات. وبما أن الجدار على الحدود مع مصر، فنفترض أن التهديد يأتي من جانبها. 
بدأت مصر بناء جدار فولاذي، معزز بتقنيات مطورة لغمر الأنفاق بمياه جوفية تأتي من البحر الأبيض المتوسط، وذلك على طول حدودها مع غزة لحفظ أمنها القومي، دون التفكير في تلك التسربات من المياه المالحة التي ستضخ في التربة، التي يمكن أن تتسرب نحو مخزون المياه الجوفية. ولطالما كان قطاع غزة جزءًا من الأمن القومي المصري، واليوم بقدرة قادر أصبح مصدرًا لتهديد أمن مصر القومي واستقرارها الداخلي. 
في عهد ارئيل شارون رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق، بدأ في عام 2002 إنشاء سياج أمني طويل في الضفة الغربية، بهدف حماية حياة المواطنين الإسرائليين من الإرهابين الفلسطينيين. وجدار الفصل العنصري الذي بدأ بسياج تحول لجدار عازل ضخم يقطع أوصال الضفة الغربية، ويفت المدينة المقدسة التي يشاء تحولها إلى قدسين، شرقية وغربية. وما زال مشروع الجدار مستمرًا في التمدد حتى هذا اليوم، رغم كل المآسي التي حصدها الفلسطينيون وتقطيع أراضيهم ومياههم وعائلاتهم، يستمر بالرغم من إدانته من محكمة العدل الدولية واعتباره غير قانوني، وحكمها بإزالته.
عندما تحاصر الأسوار الأسوار في الوطن العربي، تدعي الحكومات العربية الصامتة والفاعلة، بأن الهدف هو الأمن القومي. ويتساءل المواطن العربي في ظل ذلك عن مفهوم الأمن الداخلي والأمن القومي في ظل مصطلحي “القومية والأمة العربية، والوحدة الداخلية”. 
تحاصر المواطن أسوار داخلية من القهر والفساد والفقر والاستبداد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، حتى تحول العربي إلى “زومبي” الإنسان الميت الحي. 
واليوم تخرج علينا نظرية جديدة ترى أن حماية الأمن القومي تتطلب أكثر من هذا، إذ إن الأسوار الداخلية التي تحاصر المواطن في كل خطوة من خطواته يجب أن يواكبها أسوار جديدة تحاصر المواطن في مساحة تحركه خوفًا عليه، تحت مسمى الأمن القومي. 
 إذا كنا نحمي مجتمعات عربية ذات حدود مصطنعة من الأمة العربية نفسها. كيف نحمي أسوارنا الداخلية من أسوار خارجية تبني من جدران إسمنتية مسلحة وأسلاك شائكة وحديد قديم لعالم جديد. طوال التاريخ الإنساني كانت الأسوار تبنى للدفاع عن أرض الوطن أمام الغزو الخارجي، عندما كانت التقنيات الأخرى متواضعة المفعول في حماية الأوطان واستقرارها، وقد كان هدفها هو الحفاظ على سلامة المواطن وقوته وعرضه ودينه. واليوم نتساءل كيف يحمى الجدار الذي تبنيه دولة رغم ثقلها العربي زاعمة أنه يحمي وحدتها وأمنها القومي، أمام تجمع عربي قومي ومسلم، لا يزال يناضل من أجل أرض مسلوبة ودولة مأمولة، وكيف تعزله، وهو يعاني حصارًا اقتصاديًّا بأسوار عربية وأجنبية، كيف تعزله بجدار يبنى بتكنلوجيا متقدمة ومكلفة، بحجة حفظ أمنها القومي. أليس أمنها القومي من أمن غزة؟ ألم تكن مصر مسؤولة عن القطاع لفترة طويلة من الزمن، أليس أمنه مثل أمن مصر القومي الذي يمتد من المحيط إلى الخليج. فهل أصبح أمننا الوطني قاصرًا على محاصرة أبنائه وإخوته في العروبة والدين!
كل هذه الجدران العازلة المادية والمعنوية على مر التاريخ، ابتداءً من سور الصين العظيم كأكبر مشروع في تاريخ البشرية، قام من أجل عزل الخارج عن الداخل، وأسوار القلاع وخنادقها المملوءة بالماء والنار، وأسوار المدن عبر التاريخ، والخطوط الدفاعية أيضا باعتبارها كذلك، وسور برلين الشهير، وأسوار التمييز العنصري المادية والمعنوية في جنوب إفريقيا، وكل حصار كان يعزل مجتمعًا إنسانيًّا ما في لحظة تاريخية ما. كلها ظلت مدة من الزمن وتحولت بفعل التاريخ إلى أثر بعد عين، أما المادية منها فتزار باعتبارها من تحف التاريخ، رغم كل الدماء التي سالت تحتها أو لبنائها أو لهدمها، وظلت الحصارات المختلفة نقطة مظلمة في تاريخ البشرية نكاد لا نذكرها إلا بالسوء، كل تلك التحولات في درس التاريخ تعلمنا أن المدينة لا تحميها الأسوار وإنما تحميها عقول الرجال كما قال أرسطو.

البلاد - 23 يناير 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro