English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

صفقة بيع الغاز المصري لإسرائيل: ما لا يعترف به لا الحكم ولا المعارضة
القسم : سياسي

| |
النهار 2009-10-27 07:55:00


بقلم مصطفى الحسيني:      .
تبدو المسألة ظاهريا كأنها نزاع قضائي بين الديبلوماسي المتقاعد ابرهيم يسري و"رجل الأعمال" حسين سالم الذي كان مسؤولا بارزا في "إدارة المخابرات العامة" أرفع الأجهزة المسؤولة عن الأمن الوطني في مصر، من خلال دعوى رفعها الأول أمام القضاء الإداري يطلب فيها إصدار حكم بإلغاء قرار وزير النفط الترخيص لـ"شركة شرق المتوسط" التي يرئسها الثاني تصدير كميات ضخمة من الغاز المصري إلى إسرائيل بأسعار يوصف مثلها في الأسواق بأنه "أسعار عشاق".
ما زالت القضية متداولة بين مستويات متعددة ومتراتبة من محاكم القضاء الإداري. لكن أحدا لا يتوقع أن يحسم حكم تلك المحاكم أمر تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، والذي تأسست الدعوى على كونه يعني إضرارا كبيرا بالأمن الوطني.
فمصادر الطاقة ليست سلعا مثل سواها، لذلك تندرج قرارات بيعها وشرائها ضمن القرارات التي يجب أن تخضع لاعتبارات استراتيجية الأمن الوطني للبائع والمشتري سواء بسواء، مثلما نرى من إدراج الولايات المتحدة أقوى دول العالم وقطبه الوحيد، مسألة "الاستقلال في مجال الطاقة" ضمن استراتيجيتها الكبرى.
 لجأ الفريق القانوني الذي يمثل الحكم إلى ترسانة زاخرة من الحيل القانونية وتراث كبير في استثمارها لتعقيم فاعلية القضاء؛ فركز جهده على إنكار العوار عن قرار وزير النفط المطعون عليه. ومع سير القضية، من المتوقع أن يفتح الفصل الثاني في هذا التراث الحكومي في التلاعب بالقانون الذي ينتهي إلى تجاهل أحكام القضاء ومواصلة الحياة والعمل كالعادة.
اللافت في هذا النزاع حول مسألة لها حساسية الأمن الوطني هو غياب السياسة عن تناول الطرفين لها. فالسوق العالمية للغاز في وضعها الراهن وإلى نهاية المستقبل المنظور "سوق بائعين" أي أن البائع يملك فرض شروطه. هذا ما وضع صفقة بيع الغاز المصري لإسرائيل في دائرة الارتياب والتساؤل. خصوصا أن الحكم يحرص على عدم التطرق إلى حقيقة كون موافقته على بيع الغاز لإسرائيل هي من قبيل "بيع الاضطرار لا بيع الاختيار" حسب اللغة التي تستخدم في وصف الحروب. وذلك بحكم أن واحدا من الخطابات التي تبادلها الرئيس المصري الراحل أنور السادات ربطا بمعاهدة السلام مع إسرائيل يتضمن تعهدا بمنح إسرائيل الأولوية في شراء "فائض" النفط والغاز الذي تريد مصر تصديره. ويتحسب الحكم لفتح ملف تلك الخطابات المتبادلة بين أنور السادات والرئيس الاميركي جيمي كارتر أو رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك مناحيم بيغين، حسب موضوع الخطاب.
ما زالت هذه "الخطابات المتبادلة" طي الكتمان فلم يطّلع عليها ولا حتى البرلمان الموالي الذي أقر المعاهدة. فما يتضمنه غير قليل منها (أبلغ مصدر ديبلوماسي اميركي هذا الكاتب مضمون ما اطّلع عليه منها)، ينطوي على انتقاص للسيادة المصرية، في المجالات السياسية والعسكرية، لحساب إما الولايات المتحدة وإما إسرائيل، بل ينتقص من ولاية القانون المصري على بعض المقيمين على أراضيه؛ على نمط ما طبق في العراق بعد غزوه في 2003.
إذا كان هذا شأن الحكم ودوافعه، فما بال المعارضة التي تكثر صحافتها من ذكر بيع الغاز لإسرائيل باعتباره من أفدح فضائح الحكم؟
لا يغيب عن ملاحظة من يرصدون الأوضاع السياسية في مصر أن المعارضة في ما تثيره من مسائل كبيرة أو صغيرة ضد الحكم القائم، تبدو واهنة وقليلة الحيلة إلى حد أن تقوم حولها شبهة التواطؤ مع الحكم، وهي شبهة لها ما يبررها من حجم تشابك المصالح الخاصة وتبادل المنافع بين أقطاب المعارضة ورجال الأعمال الذين يديرون دفة الحكم. لكن هذا لا يكفي تفسيرا، خصوصا في ما تزعم المعارضة أنه إضرار من جانب الحكم بـ "الأمن الوطني"، لمثل مسألة الغاز هذه.
بالطبع هناك اسباب سياسية وتاريخية لوهن المعارضة، ابرزها ضعف التجربة السياسية، فالعمل السياسي غائب عن الحياة السياسية في البلاد منذ أكثر من نصف قرن، اي ما يعادل متوسط أعمار معظم قادة المعارضة - ومنها أن تلك القوى والأحزاب - باستثناء المستجد جداً منها والذي يعيش قرب هامش الحياة السياسية، حركة "كفاية" مثلا - اختلقها الحكم اختلاقا حوالى منتصف سبعينات القرن الماضي، عندما أنشأ أنور السادات "منابر سياسية" داخل التنظيم السياسي الوحيد - الاتحاد الاشتراكي - ووفر لها المقرات والمخصصات المالية، وكان من الملامح الرئيسة غير الملحوظة في تلك العملية، أن السادات اختار أن يوزع "المنابر" على بقايا القوى السياسية القديمة، من اليمين إلى اليسار، ثم سمح لها بالتحول أحزاباً. هكذا نشأت في البلاد أحزاب يسيطر على برامجها الحنين إلى الماضي العصي على الاستعادة. ثم لحقت بها موجة أخرى من أحزاب الطامعين بالاستفادة من الميزات المادية القليلة والصغيرة التي يوفرها قانون الأحزاب. مقرات ومخصصات مالية يستفيد منها رؤساء الأحزاب، هكذا لحق بجناح الاستعادة المستعصية جناح الاستفادة الرخيصة وكلاهما لا يجد عند عامة الناس لا قبولا ولا احتراما.
كما تظهر قلة حيلة المعارضة في لجوئها المتواتر إلى القضاء حتى في المسائل السياسية الكبرى وذات الحساسية الوطنية الخاصة كبيع مصادر الطاقة إلى بلد ما زال تاريخ العداء معه حيا في الذاكرة الوطنية، بل إن معالمه مخيمة على التفكير العام بما فيه التفكير الأمني الرسمي؛ بينما تمارس المعارضة سجل الحكم في الاستهانة بسلطة القضاء، الذي لا تكف عن التغني باستقلاله بينما تعرف نقيض ذلك، كما كشفت المعركة الممتدة التي خاضها نادي القضاة والتي توقفت عندما تدخل الحكم تدخلا سافرا وفظا في انتخاباته التي انتهت باستبعاد القيادة الحريصة على استقلال القضاء، وما زال عدد من كبار القضاة يخوضونها بعد أن اعتزلوا القضاء.
صحيح أنه لا يجوز التمني على التاريخ، لكن الصحيح أيضا أنه لا يجوز التخلي عن السياسة التي في ظلها كان بوسع الحكم أن يعلن "اضطراره" لبيع الغاز لإسرائيل، ثم يسجل لنفسه كفاية تبرير الصفقة بكونها - في الحقيقة - تمنح مصر سيطرة على الاقتصاد الإسرائيلي يتوازى وزنها مع نسبة ما يوفره الغاز المصري له من مصادر الطاقة. وأن يثبت أنه قادر على توظيف هذا الميزان كـ "سلاح" في التعامل مع إسرائيل.
في ظل السياسة أيضا، كان بوسع المعارضة أن تقر للحكم باضطراره الذي ورثه من العهد السابق، ثم تستخدم هذا للضغط عليه في اتجاه ما سبق - أي توظيف بيع الغاز في الضغط على إسرائيل، بدلا من المعركة "الصفرية" التي تخوضها ضد الحكم في هذه المسألة والتي تعرف أن لا طائل منها.
النهار – 27 أكتوبر 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro