English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

لبنى الحسين ... سقراط السودان
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2009-08-01 09:21:10


يوم الثلثاء القادم الموافق 4 أغسطس/آب 2009، ستمثل الصحافية السودانية لبنى أحمد الحسين أمام إحدى محاكم السودان بتهمة «عدم الحشمة» لإصرارها على ارتداء البنطلون. الملفت في قضية لبنى هو رفضها الاستفادة من حصانتها الدولية بوصف كونها موظفة تعمل في المكتب الإعلامي التابع لبعثة الأمم المتحدة في الخرطوم. وكما يبدو فإن تمسك لبنى بالوقوف أمام المحكمة هو، كما يبدو، يعكس رغبتها في شن حرب على الفصل 152 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 الذي تصل فيه العقوبة إلى حد الجلد العلني بأربعين جلدة، والتي أبدت لبنى استعدادها، في حال إدانتها أن تتم عملية الجلد بحضور الإعلاميين والصحافين كي يكن شهودا على أحد مظاهر انتهاك حقوق الإنسان في السودان. وكما قالت لبنى لمحطة (سي إن إن) فهي تعتبر هذه المادة «التي تقضي بجلد النساء، تخالف الدستور وتتجاوز الحريات، ومن شأنها تكريس العقوبة على فتيات أخريات». أما محاميها نبيل أديب فقد اعتبر المادة ليست بذات الأهمية، لكنها في الوقت ذاته «مخزية ومثيرة للخجل، كما أنها تتضمن كثيرا من الانتهاكات». لبنى إذا لاتدافع عن نفسها فحسب، لكنها تحاول أن تحاكم النظام نفسه.
لو قدر لفنان أن يرسم لوحة تصور لبنى في المحكمة فربما تكون قريبة من لوحة «موت سقراط» التي رسمها في العام 1787، الفنان العالمي جاك لوي ديفيد، والتي جسد فيها رؤيته لتلك اللحظات الأخيرة من حياة الفيلسوف اليوناني سقراط، وهو يتجرع السم، رافضا، كما فعلت لبنى برفضها الحصانة الدولية، الهروب. وكما ارتبك حارس سقراط وتحاشى الإجابة على سؤال سقراط، وهو يهم بتجرع سم الترياق، «هل يسمح في مثل هذه اللحظات أن يؤدي الإنسان صلاته ليقترب أكثر من الآلهة؟» كذلك نتوقع أن تحرج لبنى من سيحاكمها بسؤال أقل تعقيدا من ذلك الذي رفعه سقراط في وجه جلاديه، بأن تسألهم «أليس من حق فتاة مثلي أن تلبس ما تريد، ومن هو الذي يحدد حشمة ما أرتدي، أو ما ترتديه غيري من الفتيات؟». وكما يعرف الجميع، وقبل تنفيذ الحكم في سقراط، تسلل أحد تلاميذ سقراط إلى زنزانته، وهو الشاب كريتون وهمس في أذنه «لقد أعددنا كل شيء للهرب فهيا بنا يا أستاذي إلى الحرية». فجاءه جواب سقراط حادا وصريحا «كلا يا كريتون لن أهرب من الموت. إنني لا أستطيع أن أتخلى عن المبادئ التي ناديت بها عمري كله. بل إنني يا كريتون أرى هذه المبادئ الغالية التي ناديت بها حتى اليوم جديرة بذلك الثمن. أجل يا كريتون ليست الحياة نفسها شيئا، ولكن أن نحيا حياة الخير والحق والعدل فذلك هو كل شيء».
جاك لوي ديفد، كان يحاول حينها أن يوجه خطابا إلى المجتمع الفرنسيفي العام 1787، عندما سهدت فرنسا مصادرة إصلاحات النظام الملكي، بما فيها حل مجلس الأعيان، والزج بالمئات من السجناء السياسيين داخل سجون الملك، وهروب آخرين إلى المنافي.
ربما لم يدر في خلد الفيلسوف الإغريقي، وهو يصر على تجرع السم، أنه كان يضع، ومنذ ذلك التاريخ، أسس الديمقراطية الغربية، ويرسم وهو في طريقه إلى مثواه الأخير معالم قوانين حقوق الإنسان، كما عززها في مراحل لاحقة فلاسفة من أمثال روسو في كتابه «العقد الاجتماعي»، الذي مهد الطريق، بدوره، لكل ما نشهده اليوم من أشكال وقوانين الدفاع عن الحريات في الغرب.
من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن حكم الإعدام قد صدر بحق سقراط في العام 399 قبل الميلاد، أي بعيد انهزام أثينا الديمقراطية أمام إسبارطة، وعودة القائد اليوناني «تراسبيولوس» مع زمرة من أصحابه، إلى البلاد التي بدأت ثرواتها تتراجع، والفساد ينتشر، وكان لابد من البحث عن كبش فداء يبرر تدهور الأوضاع، ويبيح تكميم الأفواه في أثينا الديمقراطية، فلم يجد هؤلاء أفضل من سقراط كي يكون ضحيتهم. أي أن مصادرة الديمقراطية، لم تكن لتتم في عصر ازدهار أثينا، وإنما في مراحل اندحارها وتدهورها.
من سقراط وأثينا نعود إلى لبنى والسودان، التي هي الأخرى تشهد أزمة حادة في الأوضاع السياسية، يواكبها تدهور في الأوضاع الاقتصادية، وتنتشر فيها موجة فساد، وهي الأمور التي، تفسر هذه الهجمة على الحريات، والتي لايمكنها أن تقبل بما تكتبه صحافية مثل لبنى في عمودها الصحافي «كلام رجال»، الذي تهاجم فيه الفساد، وتدافع فيه عن الحريات العامة. لكن الحكومة السودانية، وكما شهدنا الأمر في أثينا بعد هزيمتها من إسبرطة، وهي تعاني من أزماتها الداخلية، وبدلا من معالجة الأمور على نحو صحيح، نجدها تلجأ إلى تكميم الأفواه وتلفيق تهم باطلة ضد أصوات تدافع عن الفضيلة مثل أصوات لبنى.
وإن كانت لبنى قد أصرت، في دفاعها عن حقها وحق جيلها في أن يرتدين ما يرونه مناسبا، دون خدش للعقد الاجتماعي بينهن وبين أي من أفراد مجتمع متحضر، فهي في ذلك تعيد على أسماع العالم، وبصوت عال وواضح، ما سبق وأن قاله سقراط قبل ولادة المسيح، حين لم يكن قابلا لأن يساوم على «أن الفضيلة أمر بديهي في أساس تكوين الإنسان، لكن الإنسان حين يخطيء معاينة الفضيلة يظن الباطل حقا والشر فضيلة».
الوسط - 1 أغسطس 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro