English

 الكاتب:

من العالمية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

لماذا تبقى الحياة في الشرق الأوسط أسيرة القرون الوسطى؟
القسم : شؤون عربية

| |
من العالمية 2009-07-29 13:09:11


روبرت فيسك: 
دعونا نسأل بحدّة رهيبة: لماذا لايزال العالم العربي على هذه الدرجة من التخلف؟ ولماذا لا يرى الكثير من دكتاتورياته سوى النزرَ اليسير من حقوق الإنسان والقدرَ الكبير من أمن الدولة والتعذيب، ويجد ارتفاع نسبة المثقفين أمراً مرعباً؟ ولماذا ينبغي على هذه المنطقة الغنية إلى هذا الحدّ بالنفط أن تنتج -حتى في عصر الكمبيوتر- شعباً ضحلاً في المستوى الثقافي وسيئ التغذية وعلى هذه الدرجة من الفساد؟
نعم، إني على اطلاع برواية الاستعمار الغربي والمؤامرات الظلامية للغرب، والزعم العربي بأنه من غير المقبول تخييب آمال القيادات ورجال الدين «عندما يكون العدوّ على الأبواب». ثمة بعض الحقيقة في ذلك، لكن ليس ما يكفي من الحقائق.
فمرّة أخرى يطلع علينا برنامج الأمم المتحدة للتنمية بحقيقة أخرى من خلال تقريره الخامس الذي يبيّن -نقلاً عن محللين وأكاديميين عرب، لاحِظوا ذلك- حالة التخلف التي تسود معظم الشرق الأوسط. ويتحدث التقرير عن «ضعف البُنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية للمنطقة.. وهشاشتها حيال التدخل الخارجي». لكن هل يُعتبر ذلك مسؤولاً عن التصحّر والأمية -وخصوصاً لدى المرأة- وعن الدولة العربية التي يعترف التقرير بأنها تشكل في الغالب «تهديداً لأمن البشر، بدلاً من أن تكون الداعم الرئيسي له»؟!
لقد كتب الصحافي العربي رامي خوري الأسبوع الماضي يقول «إن كيفية معالجة الأسباب الكامنة وراء ضعفنا وتحقيق التغيير الفعلي القائم على المواطنة الراسخة والاقتصادات المنتجة واستقرار الدولة، تبقى هي التحدي الذي واجه ثلاثة أجيال من العرب». ومن بين الإحصائيات التي فوجئ بها خوري، أن إجمالي الناتج القومي بالنسبة للفرد في المنطقة العربية زاد بمقدار 6.4% فقط خلال الفترة بين عاميّ 1980 و2004، أي ما يعني 0.5% لا غير سنوياً، وهو معدل جاء في الكتاب السنوي لوكالة المخابرات المركزية الأميركية أن 198 دولة من أصل 217 تجاوزتها العام 2008. وللعلم، فإن عدد سكان العالم العربي، الذي بلغ 150 مليوناً العام 1980، سوف يصل إلى 400 مليون العام 2015.
لقد لاحظتُ معظم ذلك بنفسي عندما جئتُ إلى الشرق الأوسط للمرة الأولى العام 1976 وكان مزدحماً بما فيه الكفاية. فشوارع القاهرة ملأى بالبشر ليلاً نهاراً، ومنهم مليون يعيشون في المقابر العثمانية الكبرى.
والبيوت العربية نظيفة لكن الشوارع من حولها قذرة في الغالب وتبعث على الاشمئزاز والقمامة منتشرة على الأرصفة. والظاهرة نفسها تتكرّر حتى في لبنان الجميل، حيث يوجد نوع من الديمقراطية، والذي يُعتبَر شعبُه من بين الأفضل تعليماً وثقافة في الشرق الأوسط. وفي القرى الجبلية في جنوبه، البيوت كلها نظيفة أيضاً، لكن لماذا نجد الشوارع والتلال على هذا القدر من القذارة؟
أغلب ظني أنه ثمة مشكلة حقيقية في عقل العربي، فالواحد منهم لا يتصوّر أن بلاده ملكٌ له. وفي اعتقادي أن اندفاعه وتحمّسه حيال فكرة «الوحدة» العربية أو الوطنية لا يدعانه يشعر بالانتماء على غرار ما يحسّ الغربيون. كما أنه غير قادر في الغالب على انتخاب ممثليه الحقيقيين -حتى في لبنان، خارج النطاق القبَلي أو الطائفي- لإحساسه بأنه «مُستبعَد». فالشارع، والبلد ككيان فيزيائي، ملك لشخص آخر. وبالطبع فإنه عندما تحين فرصة التحرك، والأسوأ من ذلك عندما يكون التحرك شعبياً، يجري تطبيق قوانين الطوارئ لجعل مثل هذا التحرك غير قانوني أو «إرهابي». وعليه، فدائماً ما تكون مهمة العناية بالحدائق والتلال والشوارع من مسؤولية شخص آخر.
ثم إن الذين يشتغلون في دوائر الدولة -أي الذين يعملون مباشرة من أجل الدولة ودوائرها التي يعمّها الفساد- يشعرون كذلك بأن حياتهم رهنٌ بالفساد نفسه الذي ترتكز عليه الدولة. وهكذا يصبح الشعب جزءاً من الفساد.
إني أتذكر باستمرار صاحبَ عقار عربياً كان يتذمّر من توجّه حكومته لمحاربة الفساد قبل سنوات عديدة ويقول: «في السابق، كنتُ أدفع الرشوة ويصلني خط الهاتف والماء والكهرباء.. لكن ماذا عساني أفعل اليوم يا سيد روبرت؟.. لم يعُد بالإمكان دفع رشوة وما من شيء يتم إنجازُه!».
حتى التقرير الأول لبرنامج الأمم المتحدة، الذي صدر في العام 2002، كان مخيبا إلى درجة كبيرة. وقد حدد ثلاث عقبات أساسية في العالم العربي: «النقص» المتزايد في الحريات وحقوق المرأة والمعرفة. وكان جورج بوش وخلال ترويجه للديمقراطية والحرية -أثناء تدمير العراق- قد لفت الانتباه إلى ذلك. قد يكون مفهوما أن يشعر بالاستياء من أن يأتيه النصح من الرجل الذي أعطى الإرهاب اسما جديدا، ومع ذلك فإن حسني مبارك الرئيس المصري (الذي يعد واحدا ممن يحققون دائما نصرا انتخابيا يفوق الـ90 %)، كان قد أبلغ طوني بلير في 2004 أن التحديث ينبغي أن ينبع من «تقاليد وثقافة المنطقة».
فهل سيؤدي التوصل إلى حل للنزاع العربي - الإسرائيلي إلى حل لكل هذه المشكلات؟ قد يحل بعضا منها. فمن دون التحديات المستمرة التي تفرضها هذه الأزمة، سيكون من الصعب كثيرا تجديد قوانين الأحوال الطارئة باستمرار، والتهرب من تطبيق الدستور وإلهاء الشعب الذي سيطالب، لولم يكن الحال كذلك، بالتغيير السياسي الشامل. ومع ذلك أخشى في بعض الأحيان أن تكون المشكلات قد تغلغلت أعمق من اللازم لتصبح مثل مياه مجاري الصرف الصحي حين تتسرب فتجعل الأرض تحت الأقدام العربية مشبعة بالماء إلى درجة لا يمكن البناء عليها.
شعرت بالبهجة قبل شهور وأنا أتحدث في جامعة القاهرة -وهي الأكاديمية التي تحدث منها باراك أوباما مخاطبا العالم الإسلامي- حيث وجدت طلابها أكثر معرفة، وطالباتها يملأن الصفوف، ورأيت الجميع أكثر ثقافة من الزيارات السابقة. ومع ذلك كثير من طلابها يريدون الذهاب إلى الغرب. والقرآن كتاب قيّم، ولكن الـ «غرين كارد» قيّمة أيضا. ومن يستطيع أن يلومهم حين تكون القاهرة مليئة بحملة شهادة الدكتوراه في الهندسة ممن يعملون سائقي سيارات أجرة؟
وفيما يتعلق بالتوازن، نعم سيعمل السلام الفعلي بين الفلسطينيين والإسرائيليين على تعديل اختلال التوازنات المخيفة التي ابتلي بها المجتمع العربي. إذا لم يكن مقبولا بعد الآن الشكوى من الظلم الصارخ الذي تجسده هذه الحرب، قد يكون هناك مظالم أخرى ينبغي معالجتها. وأحدها العنف العائلي، الذي -على الرغم من الحب العائلي الواضح الذي يبديه كل العرب- يبدو سائدا في العالم العربي أكثر مما يعتقد الغربيون (أو يريد العرب الاعتراف به).
لكني أعتقد أيضا أن علينا أن نرفع أيدينا عن الشرق الأوسط عسكريا. بكل الوسائل، ارسلوا للعرب، من عندنا، المدرسين وخبراء الاقتصاد والزراعة. ولكن أعيدوا جنودنا إلى الوطن. إنهم لا يدافعون عنا. إنهم ينشرون الفوضى ذاتها التي تولد الظلم الذي تتغذى عليها «القاعدة» وأشباهها. لا لن يخلق العرب -ولا غير العرب من الإيرانيين والأفغان- الديمقراطيات القائمة على المحبة، والمساواة بين المرأة والرجل بالشكل الذي نريد أن نراه. ولكن إذا ما تحرروا من «وصايتنا»، قد يطورون مجتمعاتهم لصالح الشعوب التي تعيش في هذه المجتمعات. وعندها ربما يتوصل العرب إلى الإيمان بأنهم هم الذين يملكون بلدانهم.
"ذي اندبندنت" – 29 يوليو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro