English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

شَــــرْعَنَـــة القـــوانين
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2009-05-19 11:02:26


نشرت الصحف المحلية يوم الاثنين الماضي اعتراض وزير الداخلية على تدشين عريضة تناهض التجنيس السياسي في البحرين[1]. وفيه أكد الوزير أن «التجنيس قانوني» مؤيداً بذلك ما ذهب إليه زميلٌ له قال إن «التنصت قانوني». ويمكن العودة إلى عددٍ من التصريحات والبيانات التي توضح، في جملتها، الإطار المفهومي الذي تستند إليه السلطة في البحرين في تحديدها لدور «القانون» في إدارة شؤون البلاد. فهو أداة من أدوات الحكم، وهو أيضاً تعويذة سحرية تستخدمها السلطة لإيقاف محاولات مساءلة ممارساتها. قلتُ يستحق الوزيران الشكر على صراحتهما في إيضاح أن الإطار المفهومي الذي تستند إليه السلطة في البحرين يعطي الأولوية للقانون حتى لو تعارض مع تصورات الناس لما هو حق وعادل. وحتى لو انتفت الإمكانات الواقعية لتغييره. ومع ذلك فليس في ما قالاه جديد. وليست السلطة في البحرين وحدها التي تعطي الأولوية للقانون على تصورات المواطنين، أو على الأقٌل شرائح واسعة منهم، لما هو حقٌ ولما هو عدلٌ. واستطراداً، ليست السلطة في البحرين فريدة في اعتبارها أن المهمة الأساسية لمنظومة القوانين هي حماية النظام السياسي وضمان إدامته.
لا خلاف على حاجة الناس إلى القوانين. ولا خلاف أيضاً على أن الالتزام الطوعي بالقوانين يتطلب اقتناع الناس بشرعيتها. إلا أن السجال هو بشأن سبل «شرعنة» القوانين. فمن بين الفرضيات المؤسِّسِة في علم الاجتماع أن كل جماعة بشرية تحتاج إلى منظومة «توجيهات» عامة تضمن استمرار الجماعة وتحكم علاقات الأفراد فيها. وفي الغالب يمكن تصنيف تلك التوجيهات ضمن تراتبية مزدوجة تبيِّن الحلال والحرام وما بينهما. تراتبيةٌ تحدد ما تعتبره الجماعة فرضاً واجباً أو حراماً محظوراً أو أنماطَ سلوكٍ مباحة أو مندوبة أو مكروهة. «فحتى جماعة من أكلة لحوم البشر تحتاج لتلك الأوامر والنواهي لتحديد من يؤكل ومن لا يؤكل». وتزداد الحاجة إلى تلك التوجيهات العامة كلّما ازداد تشابكُ العلاقات ضمن الجماعة وازداد تعقيدُ بنيتها. فمنظومة التوجيهات التي يستلزمها استقرار مجموعة أوّلية مثل العائلة تختلف عن تلك التي يستلزمها تنظيمُ كيانٍ سياسي مثل قبيلة أو ائتلاف قبائل أو دولة. فلا تحتاج العائلة في الغالب إلى أكثر من الأعراف الموروثة لتحديد التزامات كل فرد فيها، علاوة على ابتداع أنماط سلوك تتسق مع تلك الأعراف. أما النظام السياسي مهما كانت درجة تطوره فلا تكفيه الأعراف الموروثة. لهذا تتجه النظم السياسية، كما نعرف من خلال ألواح شريعة حمورابي، إلى تدوين التوجيهات اللازمة لاستقرارها في صورة منظومة قوانين علنية تصدرها وتشرف على تنفيذها هيئات مخوَّلة ضمن جسد السلطة. وبطبيعة الحال، فإن ديْدَن أي نظام سياسي متخلفاً كان أو متقدماً هو استخدام منظومة القوانين المتوافرة لديه كأداة أساسية من أدوات ممارسة الحكم وضمان الاستقرار في المجتمع. ويضيف الماركسيون على هذا أن من طبيعة الأنظمة الطبقية على اختلاف أشكالها عدم الاهتمام بالحق والعدل حين يتعارضان مع مصالح الطبقات المهيمنة. بل وغالباً ما تصبح منظومة القوانين أداةً لانتهاك الحقوق ولإِبطال مستلزمات العدالة.
يمكن الإشارة إلى تشابه دورَيْ الأعراف المتوارثة والقواعد القانونية المدّونة. فعن طريقهما يمكن تحديد أهلية الأفراد لعضوية الجماعة. وعن طريقهما أيضاً يمكن ضبط علاقات الأفراد ضمن الجماعة وتحقيق توازن عقلاني بين الرغبات الفردية المتنافرة وبين حاجة الجماعة للتماسك والاستقرار. إلا أن تحقق هذا وذاك مشروطٌ بتحقق أمرَيْن. أولهما اقتناع أفراد تلك الجماعة بشرعية العرْف أو القاعدة القانونية. وثانيهما توافقهم على عقلانية الالتزام بذلك العرف أو تلك القاعدة. لا يختلف دارسو علم الاجتماع على هذا. إلا أن السجال يحتدم بشأن إجاباتهم على الأسئلة المتعلقة بالسبل المختلفة التي يتخذها النظام السياسي من أجل «شرعنة» قوانينه. ولا أتحدث هنا عن استخدام البطش لفرض القوانين. إذ إن الشرعنة لا تتحقق بالبطش حتى وإنْ أدى البطش إلى استقرار ظاهري. ومن بين الأسئلة المعتادة في السجال الدائر: كيف يتوصل نظامٌ سياسي ما إلى إقناع الناس بشرعية قانون ما؟ وكيف يتمكن من إقناع الناس بعقلانية التوافق على شرعية ذلك القانون؟ وأخيراً كيف يكتسبُ قانونٌ ما الشرعية الكافية التي تبرر تسليم الناس به والتزامهم بما فيه من نواهٍ وأوامر؟ تتعدد الإجابات بطبيعة الحال. وسأكتفي فيما يأتي بطرح رأيٍ أُزاوج فيه بين ماركس وفيبر وهابرماس بشأن السبل التي تتخذها النظم السياسية لشرعنة قوانينها.
سأبدأ بالإشارة إلى تصنيفٍ متداول عن سُبُل «الشرعنة» يضعها تحت ثلاثة عناوين رئيسة، مع ملاحظة تنوع التفاصيل ضمن هذه العناوين. يتمثل العنوان الأول في أساليب الشرعنة التي تحيل إلى «حكم الله» في الأديان المُوَحِّدَة «أو آلهة أخرى بين متبعي أديان وعقائد أخرى». حينها يسلِّم المؤمنون والمؤمنات تسليماً إرادياً بعقلانية ما يتلقونه من أوامر ونواهٍ. ففي اليقين الديني يكمن يقينٌ بحكمة ربانية تتولى تحقيق الحق وإقامة العدل. ولا يلغي هذا اليقين لدى المؤمنين معرفة أن تاريخ البشرية يشهد على أن الإحالة إلى «حكم الله» تقود إلى استيلاء أهل التأويل على السلطة. أما العنوان الثاني فيتمثل في أساليب شرعنة تحيل إلى «التخويل الإلهي» الذي جعل الحاكم الدنيوي ظلاً لله. وهذا ما كان الحال عليه في أوروبا في القرون الوسطى. وهو الحالُ أيضاً في بعض بلداننا، حيث أعاد فقهاء السلاطين فيها تفسير آيات كريمة وأحاديث نبوية حتى كادوا أن يساووا بين رب العزة وبين حاكمٍ ورث الرئاسة في قبيلته. وصارت «طاعة ولاة الأمر واجبة وإنْ ظلموا». أما العنوان الثالث فيتمثل في أساليب «الشرعنة المدنية» أي بالإحالة إلى عقلانية التوافق بين مواطنين متساوين قادرين على التأمل والتدَّبر والتواصل. ويستتبع هذا القولَ بضرورة تأسيس شرعية القوانين على توافق المواطنين المتساوين، مباشرة أو عبر هيئات تمثلهم، بشأن ما هو حق وما هو عدل. أسارع للقول إن «الشرعنة المدنية» لا تضمن أن تكون القوانين المستندة إليها معصومة من الأخطاء. ولكنها تكفل للناس حقهم في الاحتجاج على تلك القوانين، وحقهم في التوافق على عدم طاعة تلك القوانين إذا استلزم الأمر. هل يعني هذا أن لا شرعية ولا طاعة لقانونٍ لم يتأسس على التوافق؟ أترك عرض الإجابات الممكنة ومناقشتها إلى مقالٍ تالٍ.

الوقت 19 مايو 2009 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro