English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الفرق بين الوزير والحارس
القسم : عام

| |
2007-11-27 13:42:55


 

 

 

29blog_author100crop.jpg كتبت شعلة شكيب حول رفض الحكومة مقترح قانون يمنح الأولوية للبحرينيين في الانتساب إلى قوة الدفاع والحرس الوطني وقوات الأمن، مشيرة إلى وجود ‘’فئة في مركز صنع القرار مازالت عقليتها تقضي بتجزيء أبناء الوطن بين موالين وغير موالين[1]’’. فهذه العقلية ‘’تُقصي وتُهمش فئة من أبناء هذا الوطن بجرم انتمائهم لطائفة معينة’’، وتتهمهم بعدم الولاء للوطن مبررة بذلك حرمانهم ‘’من شرف حماية الوطن والذوذ عنه’’. وساقت الكاتبة أرقاماً وحججاً ضد الاعتماد على الخارج لتغطية حاجات البلاد الأمنية والدفاعية. كما طرحت عدداً من التساؤلات حول هذا النهج غير العقلاني الذي يرى في المواطن مصدر خطر.

لم تقُلْ شكيب شيئاً لا يتداوله الناس ولا هي جاءت شَيْئاً فَرِيّاً. فلقد سبقها بسنوات رئيس مجلس النواب الذي عبّر عما يدور بين الخاصة. ففي مقابلة صحافية دافع الظهراني عن السياسة الحكومية بما في ذلك مجاليْ التجنيس والتوظيف، مشيراً إلى انعدام الثقة بين السلطة والشعب. وشدد على استمرار التوجس المتبادل بين الطرفيْن بقوله ‘’حين يشعر جاري أنني أتجهز للانقضاض عليه، ماذا تعتقد أنه سيعمل، هو أيضا سيستعد وسيكون متيقظا، ويجهز ما يحميه[2]’’.

بعد يوميْن على نشر مقالة شكيب نشرت الوقت رداً من مدير الإرشاد والثقافة في قوة دفاع البحرين يؤكد فيه حرصه ‘’الشديد على توضيح كل ما من شأنه أن يكون غامضا على الكثير من العامة أو من يعنيهم الأمر[3]’’. إلا أن الرد لم يكن مقنعاً ربما بسبب عجلته في وقتٍ تحتاج مثل هذه الأمور إلى التأني واحتساب العواقب. فمقال شكيب واضحٌ في إشارته إلى العقلية التي جعلت الحكومة ترفض قانوناً يضع مسؤولية الدفاع عن الوطن وأمنه على عاتق البحرينيين بالدرجة الأولى قبل المستجلبين لهذا الغرض. وهي تقول بكلمات واضحة أيضاً إن ولاء هؤلاء المستجلبين هو ولاء مؤقت ولن يدوم.

أحزنني ما جاء في نهاية رد المدير، فمن جهة أوضح مشكوراً ما تتضمنه المادة 25 من قانون قوة الدفاع لسنة 2002 من شروط معروفة مثل الجنسية، واللياقة الصحية وحسن السيرة والسلوك وألا يكون المتقدم من ذوي السوابق الجنائية أو المخلة بالشرف والأمانة. ومن جهة أخرى، يخبرنا أن القانون الذي صدر بعد التصويت على الميثاق يشترط أيضاً ألا يكون المتقدم ‘’قد انتمى إلى أي حزب سياسي أو شارك في أي عمل من أعمال الشغب السياسي أو التخريبي، وألا يكون قد طرد من الخدمة العسكرية في قوة الدفاع أو الأمن العام أو الحرس الوطني لأي سبب كان’’.

هذه الفقرة بالذات تُلّخص ما يفهمه المتابعُون من شكوى الناس من ‘’العقلية القديمة’’. ليست العقلية القديمة فقط تلك التي تُقصي فئة من المواطنين وتُهَمش أخرى. وليست هي فقط تلك العقلية التي تؤجج الاختلافات بين المواطنين وتحرمهم من التلاقي على أساس انتمائهم المشترك في إطار دولة تضمن تكافؤ الفرص بينهم. بل هي أيضاً تلك العقلية التي تبرر منع شابٍ عمره الآن عشرون سنة من التقدم للوظيفة في الدفاع أو الحرس أو الداخلية لأن قوات الشغب اعتقلته قبل اثنتيْ عشرة سنة أي عندما كان طفلاً في الثامنة من عمره واتهمته بالمشاركة فيما يعتبره القانون ‘’أعمال شغب سياسي’’.

وهي العقلية نفسها التي ترفع راية المرسوم بقانون رقم 56 عندما يناسبها ولا تلتفت أبداً إلى المعاني الرمزية التي تمثلت في التصويت على ميثاق العمل الوطني. وهي العقلية نفسها التي لا تتذكر الآمال الكبار التي رأت في 14 فبراير/ شباط 2001 بداية مصالحة وطنية لابد منها لإنجاز بناء الدولة الدستورية.

تبدو الشروط الإضافية للتجنيد في قوة الدفاع مجحفة بشكل صارخ إذا ما قورنت بشروط تعيين المستشارين والمديرين ووكلاء الوزراء والوزراء. فليست خافية الخلفية السياسية والأمنية للوزيريْن مجيد العلوي ونزار البحارنة، على سبيل المثال. إلا أن تخفيف شروط التعيين لا تنحصر في حالتيْ هذين الوزيريْن وحدهما. فمن بين زملاء دراستي في الستينيات من تم استيزارهم أو تعيينهم سفراء أو وكلاء وزارات بعد إعلان الاستقلال رغم أنهم كانوا في المعارضة بل وكان من بينهم من تدربوا عسكرياً في شبابهم. فلو طُبقت الشروط التي يعدِّدها مدير الإرشاد والثقافة في قوة الدفاع على من أعرف من مسؤولين كبار سابقين وحاليين لما استطاع أيٌ منهم أن يتدرب ليكون حارساً على باب وزارة.

معلومٌ من متابعة تاريخنا السياسي أن لدى السلطة القدرة والاستعداد والخبرة لتكييف بعض قيادات المعارضة. ولم تشذ أغلب قيادات التسعينات عما سبقتها. كما لم تخالف السلطة بعد 2001 عادتها المتمثلة في إرضاء من يريد من (هوامير) المعارضة والتشدد في ضرب الـ (حراسين). ولهذا فحين تكيّفت الهوامير الإيمانية والعلمانية مع شروط السلطة رأينا كيف غمرتهم بكرمها وحنانها. اللهم لا حسد ولا شماتة. ولكن هل يجوز أن تتسامح السلطة مع هوامير المعارضة في الوقت الذي تتشدد في غضبها على صغار السمك، بل وحتى الحراسين أي من كانوا أطفالاً في التسعينات؟

أقولُ رغم إجحاف الشروط الإضافية التي يُعدّدها المدير حاولتُ أن أتوافق معها عبر التمرين الذهني التالي ‘’لنفترض وجود قرية بحرينية اسمها ‘’أم الصبر’’، ولنفترض أن من بين سكانها اليوم مئة شاب تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والخمسة والعشرين سنة. ولنفترض أن خمسة وعشرين منهم شاركوا قبل عشر سنوات، أي عندما كانوا أطفالاً، في أعمال ‘’الشغب السياسي’’، ولنفترض أن الربع الثاني لا يتمتع باللياقة البدنية أو معاق، ولنفترض أن الربع الثالث هو من ذوي السوابق الجنائية. يتبقى في قرية ‘’أم الصبر’’ خمسة وعشرون شاباً تتوافر فيهم الشروط المطلوبة كافة. فلنفترض، أخيراً، أن بعضهم، وليس جميعهم، يرغب في المشاركة في الدفاع عن الوطن وحماية أمنه. فلا شك أن هناك من يريد أن يتابع تعليمه أو يمارس مهنة أخرى.

هنا سأعيد صياغة سؤالٍ طرحته شعلة شكيب. لماذا لا يتم استدعاء الخمسة أو العشرة شباب من سكان ‘’أم الصبر’’ ممن تتوافر فيهم الشروط المطلوبة كلها لملء الشواغر في قوة الدفاع أو الحرس أو الداخلية؟ أما السؤال الذي يقلقني حقاً فهو متى سيضطر أولئك الشباب إلى تغيير اسم قريتهم؟

 

[1] شعلة شكيب، ‘’ابن المملكة محروم من حمايتها’’ - الوقت 14 نوفمبر/ تشرين الثاني .2007

[2] عباس بوصفوان، ‘’رئيس مجلس النواب في حديث للوسط: التجنيس والطائفية وتشكيلة المجلس نتاج انعدام الثقة’’، الوسط 24 مايو/ أيار .2005

[3] راجع: ‘’في رد تلقته الوقت- قوة الدفاع: حريصون على توظيف المواطنين ممن تنطبق عليهم الشروط’’، الوقت 16 نوفمبر/ تشرين الثاني .2007

 

 

صحيفة الوقت

Tuesday, November 27, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro