English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الجماعات الإسلامية وتديين السلطة بالتقسيط - النسخة الكاملة والأصلية للمقال
القسم : عام

| |
2007-10-31 12:12:54


 

 

 

 w51.jpg  

تتشابه جماعات الإسلام السياسي العربية بسمات مشتركة، ذلك لتقارب واقعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تنشط فيه وتتفاعل كذلك في بنية مجتمعاتها وعناصر المتغيرات الخارجية التي تؤثر فيها وتتأثر بتفاعلاتها. ذلك يتبين من خلال رصد الدارسين المختصين لمسيرة تطورها ولتحليل المراقبين السياسيين والاجتماعين. يفيدنا الصحفي والكاتب الأردني "ناهض حتر" في مقالة له بعنوان "الإخوان المسلمون في مملكة عبدالله الثاني-الأخبار19 أكتوبر 2007" بأن التيار المعتدل في "الإخوان المسلمين" يقوم بانقلاب داخلي في أوساطه ذلك بالتخلي عن شروط ضمان نزاهة الانتخابات النيابية المقبلة، ويشرح في السياق الخلفية التي أدت إلى هذا التغير من حيث بعدها التاريخي المتمثل في علاقة الإخوان التحالفية مع نظام الحكم السابق وانقضاض الحكم الحالي عليهم، فمنذ 1989 احتلت حركتهم فضاء السياسة الأردنية، من دون أن تقدم حركتهم خلال فترة قمع الحركات اليسارية والقومية والوطنية أي جهود وتضحيات، فكانت الحزب الوحيد المصرح به في ذلك الإثناء، وتمتعت برعاية خاصة من القصر وشارك أعضاءها في الحكومات، وتولوا أرفع المناصب خصوصاً في المجال التربوي، فضلاً عن استيعابها للحركة الجماهيرية التي تم تطويعها من قبلهم لمنهج السياسة الخارجية الرسمية، ومساندتهم للحكم في لجم الانتفاضات الاجتماعية التي قادها اليساريين والقومين في الريف بين عام 1996 و1998 وغيرها من التفاهمات الإستراتيجية".

 

 

 

المفكر "صادق جلال العظم" لا يذهب بعيداً عنه في رصده وتحليله لواقع الخطابات الإسلامية الراهنة ومدى تراجعها عن شعار إعادة الخلافة الإسلامية والتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية، والإكثار من الحديث عن المواطنة والحكم المدني وحقوق الإنسان والحريات العامة واستقلال القضاء وفصل السلطات والمساواة بين الرجل والمرأة مع الكثير من التحفظات، وحفز الديمقراطية وتداول السلطة سلمياً وانتخاباً. ويخبرنا أن هذه التحولات غير جدية أو عميقة أو محسومة في بنية التيارات الإسلامية في مجتمعاتنا، أو حتى بالنسبة إلى عقليتها التقليدية المسيطرة أو إلى حقيقة برامجها السياسية أو طبيعتها النكوصية وايديولجيتها القروسطية بحسب تعبيره. ويظل هذا التحول كما يراه سطحياً-سريعاً، تكتيكياً-مؤقتاً، سياسوياً-مرحلياً، خطابياً-تطمينياً وتملقياً إلى أن يثبت العكس، كما يشير إلى أن من بين أبرز الأسباب الكامنة وراء هذا التغيير أو التعديل في الخطابات هو إخفاقها في تحقيق أي من أهدافها الرئيسية لاسيما هدف الاستيلاء على السلطة بالديناميت والتفجير والاغتيالات والقتل العشوائي، ورأى إن شعار"الإسلام هو الحل"، لم يجد نفعاً في مصر ولا سوريا والجزائر والأردن ولا حتى العراق، حيث تأجج الاقتتال الأهلي السني-الشيعي الدموي والاعتداء بالقتل والتدمير على الأديان والطوائف والمذاهب الأخرى، وثبت أن هذا الشعار لم يؤد إلى التفاف شعبي كبير أو حقيقي حول رافعيه، يضيف إلى ذلك، الحقيقة السياسية الاجتماعية التي فرضت نفسها وهي أن المجتمعات المتنوعة الديانات والطوائف والمذاهب والأعراف والعصبيات والإثنيات، لا يمكن أن تحكم إلا مدنياً، ولا يمكن للدولة أن تكون فيها إلا علمانية ولو بالحدود الدنيا، لأن أي بديل ديني أو مذهبي أو طائفي أو عصبوي أو إثني يعني المزيد من القهر والقمع والتمرد والاقتتال الداخلي والعنف المسلح والحرب الأهلية. ويختم إلى أن هذه الخطابات غير مرشحة للتجديد على يد التيار الإخواني، وهم في الحقيقة تيار مضاد للانتشار الواسع الذي حققه الإصلاح الديني الإسلامي التنويري في مرحلة عصر النهضة كما هو موجه ضد التوجهات العلمانية، إنهم ينظرون للوراء بعيون متعلقة بالماضي السحيق. هذا بالتمام ما ذكره "العظم" رداً على أسئلة الصحفي في صحيفة الأخبار 16 أكتوبر 2007.

 

 

 

جماعة الإخوان المسلمين

 

ولكي نلامس واقع الإسلام السياسي المحلي ومقاربته بما سبق، دعونا ننظر إليه عبر نافذة "باقر النجار" الذي فكك هذه الظاهرة لكونها مظهر من مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية، فشخص عناصرها ووصف ارتباطاتها مع بعضها البعض عبر مداراتها التاريخية في سياقات المتغيرات الاقتصادية والسياسية التي طرأت على بنية المجتمع المحلي وذلك من خلال إصداره الأخير "الحركات الدينية في الخليج العربي- دار الساقي 2007"، الذي لا يقل أهمية وحساسية عما سبقه من تشخيص ومقاربات، ففي فصول مكثفة منه يتناول الظاهرة من حيث استقطابها الجماهيري والقوى السياسية الفاعلة فيها، ويستعرض الإسلام السياسي السنّي وتحالفه مع السلطة ومن ثم الانقلاب عليها، وكذلك الشيعي في سياق تحولاته الراديكالية الدينية، كما يركز على القواسم المشتركة، ومواقف بعضها من ممارسة الإرهاب وغلبة الفعل السياسي في أوساطها على الدين.

 

 

 

"النجار" يجد أن ثمة تقاطع بين الدين والسياسة في المنطقة العربية يشكل أحد علامات العمل السياسي، وإن الدولة الأموية والعباسية منذ نشأة الدولة الإسلامية قد دشنتا لعبة توظيف الدين لخدمة السياسة والعكس صحيح، وقد استمر ذلك حتى العصر الحديث حيث وظفت الدولة الدين لتجاوز إشكالية شرعيتها. في تحليله يشير إلى أن الجمعيات الدينية شكلت مركز الثقل في العمل الأهلي والاستقطاب الجماهيري في الثمانيات والتسعينيات، وهي منذ نشأتها لم تكن ذات أهداف سياسية واضحة، إلا إنها تأثرت كثيراً بخطاب جماعات الإسلام السياسي في مصر وسوريا وغيرها من الدول العربية، وهي تنقسم إلى سنية وشيعية، والسنية تتمثل في حركة الإخوان المسلمين والحركة السلفية. عند تشخيصه للواقع التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين والسلف، وجد إن كل منهما تشكل تنظيماً دقيقاً متوغلاً في أجهزة الدولة وتحديداً التعليم والقضاء والخدمات، وإن الإخوان والسلف يفتقران إلى الخطاب السياسي المتماسك والواضح فيما يتعلق بمسائل الشأن العام وقضايا الإصلاح والدمقرطة والتحديث بالمفهوم العام، كما تفتقد قياداتها الجديدة إلى الخبرة التنظيمية والتنظيرية والسمات الكاريزمية التي تبنّي مواقفها بعيداً عن مواقف الدولة أو مخالفة لها، مما أضعف من موقفها السياسي العام، وتتمثل في أوساطها العائلات التجارية من عرب الهولة وأعداد كبيرة من الطبقة الوسطى السنيّة ومن صغار التجار والفئات المهنية كالوزراء والأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والمحاسبين وكبار موظفي الدولة والقطاع الخاص، وعند تحليله لمكونات جماعة الإخوان المسلمين لاحظ إن انتماءاتها الإثنية قد بدت في عامل النخوة في بعض الدوائر الانتخابية التي ترشح فيها عناصر من التيارين السلفي والإخواني في انتخابات 2002، فيما بدا أن العرب السنة أكثر دعماً للعناصر السلفية من المرشحين للانتخابات، "..كان بارزاً أن العناصر الإخوانية محفزة للنخوة الإثنية ومتكئة على القدرات المالية للمجتمع التجاري المكون معظمه من عرب الهولة"، وأشار إلى أن ما كتب عن الحركة في أدبياتها لا يشير إلى إنها لعبت دوراً بارزاً في الحركة السياسية المطالبة بالإصلاح والديمقراطية منذ لحظة تأسيها حتى دخولها المجلس النيابي.

 

جماعة السلف

 

أما جماعة السلف كما يخبرنا "النجار"، فهي تتحدر من عائلات بحرينية معروفة، وتضم بعض من العرب الهولة من العائلات التجارية التقليدية، وبعض الشرائح الجديدة من الطبقة الوسطى التي أتاح لها تعليمها وتقربها من مؤسسات الدولة أن ترتقي اقتصادياً واجتماعياً، وغالبية من الشرائح الدنيا من نفس الطبقة ومن ذوي الدخل المحدود ممن وصلت لهم الجماعة وحلت مشكلاتهم المعيشية والاقتصادية. بمعنى أن حركة الإخوان المسلمين أقرب إلى التنظيم النخبوي بينما الحركة السلفية أقرب إلى الحركة الجماهيرية التي تضم الطبقة الكادحة الفقيرة. وجماعة السلف هي الأخرى من وجهة نظر "النجار"، تنأى بنفسها عن عقد تحالفات سياسية مع القوى السياسية المعارضة، وخطابها السياسي ضبابي وخالي من تبنّي مواقف سياسية واضحة من المؤسسة الرسمية، كما يكفر بعض عناصرها القوى والجماعات اليسارية والليبرالية، مما أدى إلى تصنيفها في خانة القوى السياسية المتحالفة مع الدولة، وفي صفوفها ممن يتبنى بعضهم فتاوى شرعية ذات رؤى دينية سلفية متشددة، ويذهب بعض المراقبين إلى إن تنظيماتها لا تتسم بالسرية على غرار جماعات الإخوان المسلمين والحركات السياسية الشيعية برغم من إن قادتها يفضلون العمل غير المعلن. إلى ذلك وبحسب المؤلف يوجد اختلاف في التكوين الاجتماعي لتنظيم الإخوان والسلف فهما لا يلتقيان سياسياً وفقهياً مع الجماعات السياسية الشيعية البحرينية، بيد إنهم لا يتعرضون لمساجد الشيعة ومآتمهم أو تكفيرهم أو التجريح بمعتقداتهم الدينية، والحركة السلفية تعارض مظاهر التحديث والانفتاح الاجتماعي و"اللبرلة" ولا تجنح نحو توظيف العنف في فرض أفكارها الفقهية، كما إنها تستند على الدلائل الشرعية في إشراك المرأة في العمل السياسي، وتتشدد في إعطائها حقوقاً سياسية-محسومة اجتماعياً. أما في البرلمان فهي تعالج قضايا هامشية مثل العطل الرسمية والحفلات الغنائية والاختلاط بين الجنسين داخل الجامعات وأماكن العمل وحق المرأة المنقبة في قيادة السيارة، والبعض منها يندد بالأعمال الإرهابية التي تقوم بها الجماعات السلفية في المناطق الأخرى، في الوقت الذي تحرص فيه على تدفق التمويل المادي لأنشطتها من المجتمعات الخليجية، وتنفي في ذات الوقت أية صلة لها بتنظيم القاعدة، إلا إن هذا النفي لا يصل ببعض أعضائها إلى انتقادات شديدة للأعمال الإرهابية. وهي تتبني فكرة المشاركة في العملية الديمقراطية من باب درء المفاسد الكبرى، ولم تتعرض للانشقاقات التي تعرضت لها الحركة السلفية في دول الخليج الأخرى.

 

 

 

مواقف نفعية: عيديات وعلاوات وإكراميات

 

إلى ذلك يصل المؤلف، إلى إن أداء تيار الإخوان المسلمين في البرلمان البحريني، كان ضعيفاً ومتخبطاً ومترحجاً بين المطالب الخدماتية (عيديات وعلاوات وإكراميات) واندماج في الممارسات الرسمية –أي أن مواقفه نفعية-، كما هدف منه الحصول على المكاسب للمنتسبين إليه ومريديه وأنصاره من مناصب وترقيات في مؤسسات الدولة، لاسيما وإن له حضوراً مؤثراً في وزارة التربية والتعليم والتنمية الاجتماعية والهيئة العامة للمعلومات وبعض كليات جامعة البحرين. أما لماذا لم يلعب هذا التيار دور المعارض السياسي فذلك من وجهة نظر الكاتب، لعدم قدرته على ذلك لأسباب ذاتية وتاريخية لها صلة بأيديولوجية الإخوان المسلمين عموماً، وغلبة السمة الوعظية على خطابهم، وافتقارهم إلى قيادة سياسية قادرة على تجاوز الإنحيازات الإثنية إلى القضايا العامة، وترجّحهم بين دعم المواقف السنية المتشددة والمقيدة للحريات المدنية والفصل بين الجنسين في معاهد التعليم والأماكن العامة وإقامة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وافتقارهم القدرة على نسج علاقات مع الأطراف السياسية والمذهبية الأخرى.

 

 

 

الجماعات الإسلامية وتديين السلطة بالتقسيط (2-2)

 

 

 

الإسلام السياسي الشيعي

 

استكمالاً لما بدأنا تتبعه في قراءة الكاتب والباحث الأكاديمي "باقر النجار" في كتابه "الحركات الدينية في الخليج العربي"، فأن الإسلام السياسي الشيعي حضوره حديث في الخليج العربي مقارنة بحركة الإخوان المسلمين، لاسيما وإن الثورة الإيرانية هي من وراء فكرة إعادة إحياء الإسلام السياسي الشيعي، إذ بدلت من مواقف جماعات الإسلام السياسي الشيعي وأولوياتها، وحول بعضها من قوى سياسية حليفة للأنظمة السياسية إلى قوى ثورية راغبة في إقامة نظام إسلامي يشبه النظام الإيراني أو في نشر الديمقراطية وإتمام الإصلاح السياسي، فالتحولات الفكرية والإيديولوجية التي جرأت عليها هي نتاج لتحولات الحالة الإيرانية من الثورة إلى الدولة، مضيفاً بأن التأطير السياسي الواضح لهذه الجماعات قد بدأ منذ نشأة حزب الدعوة الشيعي في العراق في 1958، كما إن الظروف السياسية البحرينية قد منعت هذه التنظيمات من العمل العلني برغم من أن بعض رموزها كانت تنشط في خلايا حزب الدعوة، والأخير يقترب في أطروحاته من أطروحات حركة الإخوان المسلمين. وجد الكاتب أن الثورة الإيرانية لم تكن ثورة سياسية عقائدية، بل ثورة اجتماعية واقتصادية وثقافية وفكرية تأثرت بها قطاعات كبيرة من المجتمع العربي مما انعكس على حالة "التثوير" من الثورة، التي عاشتها التجمعات الشيعية بسبب أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية الحرجة التي كان من نتائجها نشوء تنظيمات ثورية شيعية تبنى بعضها مبدأ العنف في صراعه مع السلطات.

 

 

 

وفي سياق تحليله، أشار إلى أن المؤسسة الدينية غير الرسمية تحتل مكانة خاصة لدى شيعة البحرين، وهي ذات تأثير بالغ في أوساطها مقارنة بالجماعات السياسية الأخرى اليسارية والقومية والليبرالية، وإن تأثيرها في الوسط الاجتماعي الشيعي يفوق تأثير المؤسسة الدينية السنية في محيطها الاجتماعي وذلك لأسباب تاريخية تتعلق بعلاقة المؤسسة  الشيعية بالدولة والأخذ بمبدأ المرجعيات المذهبية. من جهة متصلة، تنقسم المؤسسة الدينية الشيعية إلى مجموعتين أحدهما حسمت موقفها من الدولة ومندمجة فيها لتقاطع المصالح والأهداف، والثانية معارضة. الأولى تنطلق من فكرة إن المعارضة جلبت للشيعة العزل والتهميش، وهي تنقسم أيضاً إلى فئتين منهم رجال الدين المنتمين إلى المؤسسة الفكرية المحافظة وغير القادرة على تطويع الكثير من المفاهيم الدينية للمتغيرات المحيطة والعالمية السريعة التغيير، ومنهم من يرى أن الدين صالح لكل زمان ومكان والعلة تكمن في تفسير الدين وليس في الدين نفسه وخطابهم يتسم بالوعظ الديني عوضاً عن الجانب السياسي أو الثفافي وبعضهم يتميز خطابه بمضمون ثقافي يتجاوز الإيديدلوجيا والإنحيازات المذهبية الضيقة.

 

 

 

بالنسبة للمجموعة الثانية المعارضة يمثلها المجلس العلمائي، وتلتقي مع الأولى في رؤها الدينية والوعظية، وهي تختلف عنها في المضامين السياسية في خطابها الديني، كما يختفي من خطابها الديني المسحة الثقافية التي ميزت بعض رموز المؤسسة الدينية الجديدة في إيران ولبنان، وتتسم رؤى بعض رموزها الشرعية والفقهية بالطابع المحافظ، ممن يعارضون إصدار قانون موحد للأحوال الشخصية، كما إن اختفاء الشخصية المرجعية العليا التي توافق عليها المجموعتين وتفرعاتها يجعل من اتفاقهما أمراً ضبابياً. إن العلاقة بين أعضاء هذه المؤسسة تتميز بتراتيبة مقدسة وشديدة الجمود وتحكمها الرتبة الدينية المعترف بها من رجال الدين والأصول الاجتماعية وأحياناً الإثنية، وتبقى مكانة الفرد الجماهيرية معياراً مهماً سواء من حيث أحكامه الشرعية أو قدرته على التعبئية السياسية. يخلص المؤلف إلى إن الوسط الديني الشيعي في البحرين لم يفلح في إخراج قيادات دينية ثقافية كالشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل لله والسيد هاني فحص وآخرين. وتعتبر قيادات هذا التيار المسجد والحسينيات وسطاً سياسياً وآلية مهمة في الأختلاط بالجماهير والتأثير فيهم ومنبراً فاعلاً في نشر الأفكار، كما إن بعض رموزه يمتلك خطوط اتصال مع الدولة أو بعض رموزها، بالرغم من إنه لا يقيم صلات مع القوى والتيارات السياسية غير الإسلامية أو التيارات الإسلامية السنية، وبعضها يحمل مواقف عدائية من القوى العلمانية والليبرالية ويصفها بالكفر ومعادة الدين وبالتالي توجب محاربتها. من جهة أخرى، قد تبدو هذه المؤسسة للبعض بأنها متماسكة، إلا إنها في واقع الأمر تمثّل تعددية سياسية وفقهية متناقضة أحياناً.

 

 

 

الوفاق أكبر تجمع شيعي سياسي

 

تعد جمعية الوفاق الوطني الإسلامية بحسب "النجار" أكبر التجمعات السياسية الشيعية البحرينية، وهي أقرب إلى حالة التنظيمات الجماهيرية السياسية، ذلك ما يتضح في أطروحاتها وممارساتها والدعم الجماهيري لها. وهناك جمعية العمل الإسلامي التي تمثل أحد فصائل الشيرازيين ويعلو في خطابها المضامين السياسية على الدينية، وجمعية الرسالة الإسلامية التي تمثل فصيل آخر منهم ويطغي على خطابها المضامين الدينية-الوعظية على السياسية، والرابطة الإسلامية التي تمثل ما يسمى في البحرين ب"جماعة المدني"، وجمعية التجديد الثقافية الاجتماعية وهي الواجهة السياسية لجماعة السفارة. الوفاق في حالتها الآنية، تعتقد أنها أقرب إلى تمثيل المجتمع الشيعي بطبقاته الاجتماعية المختلفة ولقطاع كبير من الشرائح الوسطى والدنيا والطبقة الوسطى الجديدة والطبقات الدنيا من المجتمع الشيعي ذو الجذور الريفية، وهي توظف الدين كأيديدولوجيا سياسية مما لا يتيح لها اختراق الطبقات المتعددة من اصحاب الحرف والمهن والاختلافات الإثنية والقبلية. فالدين كعامل اجتماعي من وجهة نظر المؤلف، قادر على شطر المجتمع عمودياً وتجميع فئاته على أسس تتجاوز الطبقية والقبيلية والإثنية والنوع، ويتجاوز تأثيره العناصر والمتغيرات الطبقية والاجتماعية والإيديولوجية الأخرى. والوفاق لا تمثل جماعة موحدة الصفوف من حيث مكونات خطابها الإيديولوجي والفكري أو أولويات مطالبها السياسية والاجتماعية، لاسيما وإن بعض عناصر مازالوا متأثرين بأطروحات حزب الدعوة وآخر يتبنى إيديولوجيا حزب الله، أو يتبع الحوزة الدينية في النجف الأشرف أو بعض رجالات الدين في حوزة قم، وبعضها يأخذ بمقولة ولاية الفقيه ويتبعها. هناك تباين في وجهات النظر واختلاف في الخطاب، فمنهم المتشدد الذي ينزع نحو المواجهة، ومنهم المعتدل. ومن خصائص هذه الجمعية، أقترابها من سمات الأحزاب الاحتجاجية المماثلة للمنظمات اليسارية المتطرفة كالمنظمات التروتسكية والماوية أو المنظمات اليمينية المتطرفة، حيث تسعى لشق طريقها وسط  الجماهير بإثارة قضايا ذات طابع شعبي وباستثمار عجز السلطة عن حل مشكلات الفقر والبطالة وغيرها، كما إنها تنزع إلى فرض نفسها على المشهد السياسي بتبني لغة سياسية فظة، وهي بذلك تعبر عن طبيعة صراع الإيديولوجيات القائمة في أوساط جماعاتها السياسية المختلفة، بمعنى صراع القوة بين الأجنحة داخل الجمعية، فضلاً عن التعبير عن طبيعة الثقافة السياسية السائدة في فضائها الاجتماعي-الاقتصادي.

 

 

 

وعليه، يتوصل إلى أن تبني الوفاق لغة سياسية متشددة، هو في حقيقته تعبير عن افتقارها إلى قدر كبير من الانسجام الداخلي والقدرة على اتخاذ المواقف الموحدة من القضايا المطروحة في الساحة البحرينية، ذلك لا يعني خلوها من عناصر محدودة العدد تتسم بالاعتدال في أطروحاتها السياسية، حيث لا ترى أي ضيراً من يكون لها ممثلاً في السلطة التنفيذية وذلك لاعتبارات مصلحة، منها حل بعض المشكلات المعيشية للطائفة. والعلاقة القائمة بينها وبين رجال الدين علاقة معقدة وغير واضحة في بعض الجوانب مما يجعل بعض قادتها يتقربون من الرموز الدينية أثناء الأزمات والأحداث المهمة سعياً وراء استصدار فتوى مؤيدة لمواقفهم أو ضد الآخرين تقوى من مواقعهم في الجمعية أو المجتمع، وقد وجدت الجمعية نفسها متبنية لبعض المواقف المتشددة "مثل الموقف الرافض لإصدار قانون موحد للأحوال الشخصية"، وكذلك المشاركة السياسية للمرأة، بسبب هذه العلاقة وغياب التفكير الاستراتيجي.

 

 

 

وماذا بعد؟

 

هل من مشترك بين هذا التنوع لتمثلات حركات الإسلام السياسي البحريني بشقيها؟

 

للإجابة، يفيدنا الكاتب، إنه وبرغم الاختلافات المذهبية والإيديولوجية بين تنظيمات الإسلام السياسي المختلفة السنية مقابل الشيعية، وفصائل الإخوان المسلمين مقابل الجماعة السلفية، وحزب الدعوة مقابل حزب الله، فإن ذلك لا ينفي التقاءها على بعض السمات في خطابها الشمولي، أو تبني بعضها للعنف كآلية للنضال ضد الآخر والدولة، أو بهدف إقامة دولة الخلافة الإسلامية، أو إتباع مبدأ "الضرورات تبيح المحظورات، فأنها بمجملها تتوافر على موقف عدائي للغرب والولايات المتحدة الأمريكية بالتحديد، على خلاف الحالة التركية، كما تشترك في السعي لتحقيق هدف العناية بالدين وتحصينه ضد الأفكار المستوردة والدعوة إليه، والمحافظة على القيم الإسلامية والتراث والتأكد من التزام المجتمع بالتعاليم الإسلامية وتشجيع أعمال البر والخير ومناصرة الحق والعدل ومكافحة الرذيلة بالقول والفعل. وتحقق هذه الأهداف عن طريق المحاضرات والندوات والحلقات الدراسية والمجلات الخاصة بها، ذلك ما يتم عبر أنشطة الجمعيات في لجان الزكاة والأنشطة الثقافية الدينية والترفيهية والمساعدات الخيرية واللجان النسائية وتنويع الموارد المالية والأسابيع التضامنية وغيرها.   

 

 

 

ويختم المؤلف، بأن العنف مثل أداة نضالية مهمة في إيديولوجيا القوى القومية وحركة الإخوان المسلمين في صراعها مع الدول العربية والقوى السياسية الأخرى، قبل تحولاتها الفكرية الأخيرة، كما مثلت الثورة الإيرانية منهلاً للشحن السياسي والتشكيل الإيديولوجي لجماعات الإسلام السياسي الشيعي، مما قاد إلى تحولات في نظرة هذه القوى لذاتها وفي علاقتها بالدولة والقوى السياسية الأخرى، وإلى أدوات المواجهة، بيد إن بعضها استغرقه الأمر لأكثر من عقدين من الزمن لكي يعقلن خطابه السياسي ويستبدل علاقته بالآخر بمنطق الحوار والتواصل عوضاً عن منطق المواجهة والعنف، وهناك تحولات جرت على علاقة التحالف بين الجماعات الإسلامية مع مؤسسات الحكم حيث اتجه بعضها إلى العمل على مناهضتها، مما انعكس على ازدواجية في تبني المواقف المعلنة والمستترة من ظاهرة الإرهاب، وهي –أي الجمعيات- لا تتساوى من حيث القوة والفاعلية والدور الاجتماعي، وإن المضامين السياسية والاجتماعية في خطابها الديني هي الأخرى لا تتماثل  كما إنها تعاود الكرة مرة بعد أخرى لتأكيد هدفها في إقامة الدولة الإسلامية، أو أسلمة المجتمع بالإكراه أو بالترغيب، فمشاريع تديين السلطة "التقسيطية" –أي التي تتم بالتقسيط- وتأخذ بعداً زمنياً واسعاً وعبر عدة طرق من أهمها آلية التعليم، ومشاريع القوانين والمراسم والاقتراحات التي تطرح في البرلمان وتؤدي في غالبيتها إلى شكل من أشكال الدولة الدينية، وتطويع محطات التلفزة والإذاعة والصحافة، فالسيطرة على مؤسسات الدولة لهذا الغرض هو في المحصلة النهائية سمة من سمات الدولة الدينية، فليس من الضروري أن يؤمن الناس بالدين ويمارسون طقوسه، إنما أن تكون الدولة فارضة قسراً تفسيرها للدين المتمثل في بعض جماعات الإسلام السياسي وتطبقه على سلوك الناس وإدارة الدولة. وتوصل أخيراً إلى أن هذه الجماعات ستأخذ دورتها في الصعود ثم الهبوط وهي الآن قد بلغت قمة الهرم أو "ذروة  القوة"، وإن أفولها قد يأخذ بعض الوقت استناداً على مقدار التطور النوعي الذي ستكون عليه المجتمعات، وعلى قدرتها في تجاوز التضامنيات التقليدية والتعاطي مع المعطيات بعقلية واقعية وبإحداث تحولات أساسية في ذاتها وممارستها العملية وفي خطابها الداخلي وعلاقتها بالأطر الحداثية والقوى الاجتماعية والسياسية القائمة في محيطها ذلك لربما يطيل من عمرها!

 

 

 

تحليل علمي ورزين ولكن...؟

 

لا ريب إن تشخيص "ناهض حتر" وقراءة "صادق جلال العظم" لواقع الإسلام السياسي في تحالفاته مع أنظمة الحكم وانقلابهما على بعضهما البعض يضاف إليه ازدواجية خطابه السياسي والاجتماعي وخضوعه لمصالح الجماعات الإسلامية، وكذا قراءة "باقر النجار" فيما سبق وتناولناه، يعد تحليل دقيق ويلامس الواقع في بعض عناصره المتشابكة، بل إن الأخير يتميز بقدر لا يستهان به من الرزانة العلمية والموضوعية، لاسيما وإنه على بينة بمجمل تأثير المتغيرات البيئة التي أثرت على هذه القوى وتنظيماتها، بيد إن ذلك التشخيص والتحليل يشوبه نقصاً نوعياً لا يستهان به أيضاً، هذا النقص له صلة في الإجابة عن أسئلة عديدة لها أبعاد تاريخية ومصالح قوى اجتماعية وسياسية متضاربة وتفاعلات سياسية واجتماعية لازالت حاضرة، من بين تلك الأسئلة: ما الذي ساعد على نشأة هذه التجمعات وتهيئة البيئة الحاضنة التي ترعرعت فيها وتربرت، وكيف؟ فضلاً عن نوعية ومقدار الرعاية والدلال والإمكانيات المادية والمعنوية التي توافرات عليها؟ ما الذي يستتر خلف خطاباتها المتشددة؟ ما هي الأزمات الاجتماعية والمعيشية والسياسية التي أفسحت لها المجال لتلتهم فرصها التاريخية في الوصول إلى أوسع القطاعات الجماهيرية لكي توهمها بأنها تتبني مشاكلها وهمومها وطموحاتها وستصل بها إلى بر الأمن والأمان الاجتماعي؟ هناك الكثير مما لم يتم التوسع فيه خصوصاً فيما يتعلق بفشل الدولة ومؤسساتها في تحقيق بعض المشاريع التنموية الأساسية التي تحتضن الإنسان وتحصنه وتحفظ كرامته في هذه المجتمعات؟ هناك الكثير مما يستوجب بسطه والتمحيص بشأنه لاستكمال فصول هذا الكتاب القيم والتحليل ذو البصيرة النافذة

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro