English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التضخم والأجور .. محاولة للفهم (3و4/5)
القسم : عام

| |
2007-09-26 01:56:11


 

hamed pic.JPG

 

مؤشرات دالة على الفقر

أسهمت الاعتبارات السياسية والمواثيق الدولية التي وقعتها الدول (قمة التنمية الاجتماعية بكوبنهاغن في عام 1995، والجلسة العامة لصندوق النقد والبنك الدوليين في 1998) دوراً مهماً في تكريس الالتزام الرسمي تجاه المواثيق الدولية الداعية للقضاء على الفقر باعتباره واجب أخلاقي وسياسي واقتصادي. لهذا شرعت الحكومة في تقديم المساعدات للإفراد والأسر الفقيرة.

تقسم مصادر العون الاجتماعي للفقراء في البحرين إلى مصدرين هما الدعم الحكومي الرسمي والدعم الأهلي. شرعت الحكومة منذ عام 1972 في تقديم المساعدات للإفراد والأسر الفقيرة عن طريق وزارة العمل والشؤون الاجتماعية (سابقا). وفي عام 1981 أصدر مجلس الوزراء قرار رقم 23 تم بموجبه إكساب برنامج المساعدات الاجتماعية شكله القانوني. ووفقاً لذلك، أسندت مهمة المعونة الحكومية إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، إلا أن حجم المساعدات لم ترتبط بتحديد خط رسمي للفقر باعتباره معيار لتقديم تلك المعونات، حيث اخضع برنامج العون لمعيار الدخل الأسري، ووفقا له، اعتبر كل رب أسرة يقل دخله عن 150 ديناراً في الشهر ضمن المستحقين للعون الاجتماعي. ووفقا لذلك، اعتمد مبلغ 21 ديناراً لرب الأسرة، يضاف إليها 3 دنانير لكل فرد إضافي في الأسرة بحد أقصى لا يتجاوز 10 أفراد. كما حدد المستحقون للمساعدات في العاجزين عن العمل وكبار السن والمرضي والعاجزين ماديا والمترملين والمطلقات والأيتام واسر المسجونين.

ارتفعت المعونة الحكومية من 230 ألف دينار في عام 1995 إلى 4.2 مليون دينار في عام 2002. وخلال 27 عاما، سجلت المعونة زيادة في عام 1998، حيث رفعت للمعيل من 21 ديناراً إلى 23 ديناراً، وللفرد الواحد في الأسرة من 3 دنانير إلى 5 دنانير، وبحد أقصى 6 أفراد عوضا عن عشرة أفراد. وتشير دراسة "المساعدات الاجتماعية في مملكة البحرين" (الصايغ وآخرون، 2003) أن المعونة الحكومية توزعت على النحو التالي: 43.2% لكبار السن، و11.6% للأرامل، و11.9% للمطلقات، و17.5% للفقراء، و0.8% للعاجزين عن العمل، و1.6% للأيتام، و0.6% لأسر المسجونين.

ارتفعت المعونة بشكل كبير في فترة الميثاق، وتشير الإحصاءات ان عدد الأسر المدعومة بلغ 9,947 أسرة بواقع 19,016 فرد وباعتمادات بلغت 9,487,570 دينار في عام 2006. أما جملة المبالغ في شهر يناير 2007 وحده فبلغت 913 ألف دينار، ويتوقع ان تصل لـ 11 مليون دينار بنهاية عام 2007. يجدر بالذكر ان المساعدات تتوزع جغرافيا بواقع 54% للمحافظة الشمالية، و40.9% للوسطى، و30.1% للمحرق، و22.7% للعاصمة، و6.2% للجنوبية.

المعونات الأهلية

يأتي إنشاء الصناديق الخيرية تعبيراً عن وجود فئات اجتماعية تعيش حالة من البؤس الاقتصادي والاجتماعي، حيث لا يمكن تصور تنامي عدد الصناديق الخيرية في ظل وضع معيشي مرتفع، ولهذا يتباين عدد الصناديق بشكل كبير بين دولة خليجية وأخرى تماشيا مع تباين مستوى المعيشة. كما يرتبط عددها بمستوى ما تحققه التنمية من معدلات تراكمية للنمو الاقتصادي.

لعب الوازع الديني بجانب العوامل الإنسانية والسياسية دوراً مهماً في تقديم المعونة الأهلية للفقراء، وقد أتت جميعاً في إطار مفهوم الإحسان والرأفة بالفقراء. انطلاق من ذلك، انتشرت صناديق المعونة الأهلية في مجمل الدول العربية، وتعد تجربة صناديق المعونة في البحرين متواضعة من حيث طبيعتها وتنوعها إذا ما قيست بتجارب الصناديق المماثلة في الدول العربية الأخرى، كالتجربة الأردنية والمصرية مثلا.

انطلقت الصناديق الخيرية في بداية الثمانينيات من الأندية الأهلية معبرة عن التآخي والعون في المجتمع في مواجهة تراجع مستوى المعيشة، وارتفع عددها بشكل ملفت للنظر، حيث بلغت 82 صندوقا في عام 2007، وهو ما يؤشر إلى حيوية المجتمع وارتفاع عدد الفئات الاجتماعية التي تعيش تحت خط الفقر التي تمثل موضوع العون الاجتماعي، ويأتي استئثار الصناديق الخيرية على أكثر من خمس الجمعيات الأهلية في المجتمع ليعبر عن الإدراك المجتمعي بضرورة المواجهة المجتمعية لحالة الفقر. يجدر بالذكر انه وفقا لقانون الجمعيات الأهلية يجري تحويل الصناديق إلى جمعيات. اما أهم المآخذ على تجربة المعونة في البحرين في المرحلة السابقة يكمن في غلبة طابعها ألإحساني وغياب استهداف تطوير البنية التحتية والمادية للفقراء عبر برامج تمويل المشروعات في سبيل رفع كفاءتهم وإنتاجيتهم كوسيلة مثلى لتحسين ظروفهم المعيشية.

يجدر بالذكر أن الكثير من البيانات الخاصة بقيمة تلك الدعوم النقدية والعينية وبرامج الخدمات المختلفة غير متاحة، وليس هناك جهة معنية بتجميع وتصنيف وتبويب وعرض حجم وطبيعة تلك المساعدات الأهلية، حيث تكتفي وزارة التنمية الاجتماعية بنشر عدد الصناديق والجمعيات وسنوات تأسيسها، الأمر الذي لا يمكّن من الوقوف على تطور حجم المساعدات الإجمالية المقدمة للأسر الفقيرة.

خلاصة في ضوء تأمل محددات الفقر

كان يصعب في سنوات سابقة استشعار البطالة بين المواطنين مع تسييل كما هائلا من الثروة النفطية، ومعه كان يصعب طرق موضوع خطوط الفقر في دول مجلس التعاون. هذه المرحلة انطوت بفعل المتغيرات المؤثرة في مستوى المعيشة والتي من بينها التضخم وتنامي ظاهرة البطالة، خاصة ين الشباب، حيث ألزمت تلك المتغيرات الجميع باستشعار موضوع الفقر، ومعها بدأ الإفصاح عن قسمات جديدة مغايرة لم تعهدها المجتمعات الخليجية في عقود ماضية، وقد مهدت المستجدات بتراكماتها بيئة للبحث بشفافية اكبر نسبيا عن معدلات البطالة، وتنامي عدد المواطنين العاطلين، ومستويات الأجور الحقيقية، بجانب معدلات التضخم التي غدت تحجّم بشكل ملحوظ القوة الشرائية للأجور ، ومعها تصاعدت الدعوات بضرورة دراسة ظاهرة الفقر والوقوف على خطوطه الوطنية، كما تم التأكيد على ان الحديث في العموميات لم يعد مقنعا، فوصف مستوى المعيشة بـ "اللائق" و"المرضي" دون تحديث الخطوط الرقمية للفقر لم يعد ذو معنى.

مرحلة الميثاق

طرأ في فترة ميثاق العمل الوطني تغيير على توزيع العاملين البحرينيين وفقا لفئات الأجور، فقد تراجعت نسبة ذوي الأجور الدنيا بانتقالهم إلى مستويات أعلى نسبيا، حيث تقلصت نسبة البحرينيين الذين يحظون على رواتب تقل عن 150 دينار من 38.3% من جملة العاملين البحرينيين في القطاع الخاص في عام 2001 إلى 9.8% في عام 2005. في مقابل ذلك ارتفعت نسبة من تقع رواتبهم بين 150 – 199 دينار من 16.9% عام 2001 إلى 38.1% في عام 2005. أما أولئك الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار فقد انخفضت نسبتهم إلى 84.7% في عام 2005 مقابل 88.8% في عام 2001، بينما بلغت نسبة من تقل رواتبهم عن ألف دينار 93.7% في عام 2005 مقابل 97.8% في عام 2001.


توزيع البحرينيين في القطاع الخاص وفقا لفئات الأجر في عامي 2001 و2005

hameed10.JPG

المصدر: الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية.

 

من جهة أخرى، شكل صندوق التأمين ضد التعطل الذي عني بدعم الباحثين عن عمل وتدريبهم وتأهيلهم خطورة رائدة، وذلك بالنظر لما يوفره من حماية واستقرار نسبي للعاملين في سوق العمل. يذكر أن قانون التأمين ضد التعطل صدر بمرسوم ملكي في 22 من نوفمبر 2006. من جهة أخرى، شرعت وزارة التنمية الاجتماعية في تأسيس بنك الأسرة في فبراير 2007، وذلك على غرار بنك الفقراء الذي أسسه محمد يونس في بنجلادش، ويؤمل ان يسهم في تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، وان كان يحتاج للمتابعة.

استفادت الأسر من الدعوم التي قدمتها الحكومة لكافة شرائح المجتمع، والتي تمثلت في جملة من المساعدات، كرفع الحد الأدنى لدرجات الرواتب الأساسية لموظفي الحكومة المدنيين من شاغلي الوظائف العمومية الاعتيادية، ومضاعفة العلاوة الاجتماعية، وتخفيض أعباء الكهرباء للأسر المحتاجة، وتخفيض أقساط الإسكان للمواطنين، والمساهمة في إقامة حفلات الزواج الجماعي، وتخفيض الرسوم الجامعية ومضاعفة عدد المُعْفَوْن من رسوم الجامعة، وكفالة الأيتام، وتقديم معونة مالية شهرية لهم، وإعفاء الأسر المتوفى عائلها من باقي أقساط الإسكان، ودعم الأرامل ماديا، وتلبية الاحتياجات الرمضانية للأسر الفقيرة، وتخصيص ملكية مجمع السيف التجاري، وتخصيص 30% من الأسهم للأسر المحتاجة، وبناء مجمع تجاري في منطقة سترة لذوي الدخل المحدود، وحسب المبدأ ذاته توهب نسبة من أسهم ملكيته إلى الأسر المحتاجة من أبناء المنطقة، وتنفيذ خطة وطنية للإسكان يستفيد منها أكثر من 50 ألف أسرة بحرينية، تتضمن إنشاء أربع مدن جديدة، وتخفيض التعرفة الجمركية على السلع إلى 5%، وتخفيض وتمليك وإلغاء نصف أقساط الوحدات والقروض الإسكانية، إضافة إلى العديد من المساعدات التي لا مجال لحصرها، وليس هناك من شك بأن الكثير من تلك الدعوم تعد غير مألوفة في الغالبية الساحقة من الدول العربية والنامية.

استمرت الدعوم في التأثير الايجابي في مستوى المعيشة، حيث تدعم الدولة بعض المواد الغذائية كالحوم والطحين، وبفضل تدني معدلات التضخم، تمكن المواطن في السابق من شراء العديد من المواد الغذائية بأسعار محتملة، كما فسرت معدلات التضخم مكوث القوى العاملة الوافدة فترات طويلة، فالسيطرة على التضخم واستقرار العملة المحلية مقابل ارتفاع معدلات التضخم وتضاؤل قوة العملات الآسيوية شجع العمالة الوافدة على المكوث في المنطقة لفترات طويلة، وهذا ما بدأ في التحول بدءا من عام 2006، حيث قادت معدلات التضخم لهجرة معاكسة للعمالة الوافدة التي لم تعد قادرة على البقاء بمستوى الرواتب التي كانت سائدة قبل بضع سنين (عبدالحميد عبدالغفار، النفط ومستوى المعيشة، سبتمبر 2005).

أما بصدد الدخول فقد أتى قرار رفع الحد الأدنى لدرجات الرواتب الأساسية في أكتوبر 2002 لموظفي الحكومة المدنيين من شاغلي الوظائف العمومية الاعتيادية بنسبة 42,9%، إضافة إلى مضاعفة العلاوة الاجتماعية في أبريل 2002، ليسهم بشكل كبير في تحسين مستوى معيشة المواطن. وفي سبيل دعم الأسر الفقيرة وتحسين وضعها المعيشي، صدر في يناير 2007 قرار رقم 21 بشأن زيادة الحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 180 دينار شهريا، على ان تقتصر الزيادة على المعاشات التي تستحق اعتبارا من الأول من يناير 2007.

من جهة أخرى، وبعد تعديل رواتب الأطباء، وافق مجلس الوزراء بتاريخ 28 يناير 2007 على تعديل الكوادر الوظيفية للدرجات التخصصية وصدر بشأنها قرار رقم 10 – 1916 ترفع بمقتضاه الرواتب الأساسية بنسبة 15%، ويعمل به ابتداء من 1 فبراير 2007. بجانب ذلك، صدر قرار 15 لسنة 2007 بشأن استحداث درجة تنفيذية إضافية على جدول درجات ورواتب الوظائف التنفيذية، وبمقتضاه ترفع درجات الموظفين التنفيذيين درجة تنفيذية، مما يرفع الرواتب بمعدلات تتراوح بين 15 – 25.6%. ومن المؤمل قريبا ان يستفيد الموظفون ممن هم على الدرجات العادية التي تخص الغالبية الساحقة من الموظفين من الزيادات. أما رواتب القطاع الخاص فهي غير مشمولة في هذه الزيادات.

آخر تلك الزيادات صدرت في 16 سبتمبر 2007 بعد موافقة مجلس الوزراء على تعديل جداول رواتب الوظائف العمومية والتعليمية ورواتب ضباط الصف والأفراد بالجهات الأمنية والعسكرية. ووفقاً للجداول المعدلة فإنّ نسبة الزيادة ستكون 15% في جداول الرواتب العمومية الاعتيادية ونوبات العمل، أما رواتب المعلمين فقد تم رفعها بنسبة 10% علما بأنها رفعت في عام 2004 بنسبة تراوحت 6 – 9%، الأمر الذي يجعل زيادة المعلمين تتراوح بين 16 و20% منذ عام 2004.


المستفيدون البحرينيون من زيادة الرواتب الأخيرة

hameed11.JPG

يجدر بالذكر ان هذه الزيادة الأخيرة لن يستفيد منها 72,352 مواطن من العاملين في القطاع الخاص لغاية يونيو 2007، إضافة لحوالي 12 ألف بحريني من العاملين على الدرجات التنفيذية والتخصصية والأطباء والمهندسين والقضاة ممن تم رفع رواتبهم في وقت سابق، هذا يعني ان حوالي خمس العاملين البحرينيين سيستفيدون من الزيادة الأخيرة، وان كنا نأمل ان تصدر دون سؤال جداول رسمية شفافة تظهر عدد المستفيدين مقارنة بالعاملين البحرينيين في القطاع العام والخاص، مما لا يترك مجالا لاجتهادات فردية قد تفسر وفقا لتأويلات لا حصر لها.

إن اتخاذ حزمة من الإجراءات غير المسبوقة كان لها تأثير فوري ومباشر في تحسين مستوى معيشة المواطن وتغيير نمط الإنفاق الأسري، وبوجه عام شكلت مرحلة الميثاق انعطافة باتجاه تحسين مستوى معيشة المواطن، إلا ان التضخم باعتباره متغير مؤثرة في القوة الشرائية للمواطنين أصبح يهدد بتآكل ما تحقق من انجاز. ففي حين لم يسجل التضخم في الفترة السابقة لمرحلة الميثاق ولغاية عام 2003 معدلات مقلقة، بدأ يحطم بالفعل القوة الشرائية مما بدأ في التأثير سلبا في الوضع المعيشي.

على صعيد متصل، بدأت وزارة التنمية الاجتماعية في يناير 2007 تنفيذ القانون الجديد للضمان الاجتماعي وصرف المساعدات الاجتماعية الذي أقر في مايو 2006. وتشير احدث الإحصاءات ان عدد الأسر المحتاجة بلغ 9796 أسرة بقيمة إجمالية بلغت لشهر يناير2007 حوالي 913 ألفاً و150 ديناراً. ووفقا لذلك، رفعت قيمة المساعدات الاجتماعية للفرد من 50 ديناراً إلى 70 ديناراً، وللأسرة المكونة من أكثر من 5 أشخاص من 100 دينار إلى 150 ديناراً. وهناك مساعدات أخرى تقدمها الوزارة، منها تخصيص من 10 إلى 20 ديناراً في شكل تخفيض لرسوم الكهرباء والماء، وتوزيع أسهم في مجمع عقارات السيف التجاري، بالإضافة إلى توفير التدريب المجاني لأبناء الأسر المحتاجة، والإعفاء من الرسوم الدراسية، ورسوم البلديات والأشغال والإسكان (صحيفة الوسط، 16 يناير 2007). أما أهم أوجه الدعوم الحكومية الأخرى، فيمكن عرضها على النحو الآتي:

المواد الغذائية

تدعم الحكومة راهنا ثلاث مواد غذائية هي اللحوم الحية الاسترالية والدواجن والطحين التي تبلغ كلفتها نحو 12 مليون دينار، منها نحو 6.25 مليون للحوم ونحو 3 للقمح سترتفع عام 2007 إلى 5 ملايين، والباقي للدواجن بواقع 100 فلس للكيلو غرام (تصريح عبدالله منصور على هامش اجتماع الجمعية العمومية لشركة البحرين لمطاحن الدقيق بتاريخ 21 مارس 2007، وكالة الانباء، 22 مارس 2007). ولا تزال الحكومة تنظر في توصية بتضمين الأرز والسكر والزيوت تحت مظلة المواد المدعومة، إضافة لدراسة آليات الدعم، ومنها الكوبونات المدفوعة للأسر المستحقة، أو زيادة الرواتب، أو زيادة الإعانات التي تقدم عبر وزارة التنمية الاجتماعية، مع التمييز وفقا لمعايير واليات واضحة من يستحق ومن لا يستحق الدعم من ميزانية الدولة.

الصحة والتعليم

يعتبر النظام الصحي من ثوابت السياسة الاجتماعية لدوره في الحفاظ على سلامة الموارد البشرية وتفعيل مساهمتها في الإنتاج. و انطلاقاً من أن الحصول على الرعاية الصحية يجب أن يرتبط بحاجة " المواطن " وليس بقدرته على الدفع، توفره الدولة مجانا للمواطن سواء كان عاملاً أو متعطلاً. وفقاً للدستور تعتبر الخدمات الصحية أحد المسؤوليات الأساسية الملقاة على عاتق الدولة التي تقوم بتوفير حدود الأمان الصحي عن طريق مرافقها وأجهزتها الصحية المختلفة.

يعزى تطورت العديد من المؤشرات الصحية إلى الارتفاع المتواصل في اعتمادات ميزانية الصحة التي بلغت قرابة 132.7 مليون دينار في عام 2005 مقارنة بـ 46.1 مليون دينار في عام 1991. أما نصيب الفرد في اعتمادات الخدمات الصحية فقد ارتفع من 90.7 دينار للفرد في عام 1991 إلى حوالي 132.7 دينار و150.7 دينار في عامي 2005 و2006 على التوالي. ومن دون أدنى شك، لعبت هذه السياسة دورا ايجابيا ملموسا في دعم مستوى معيشة الفقراء في المجتمع.

اما التعليم فهو حق أساسي لجميع أفراد المجتمع لما له من دور في تأمين ممارسة سائر الحقوق الأخرى، لهذا أدرج التعليم الابتدائي باعتباره هدف متقدم من أهداف الألفية. وقد أسهمت خدمات الصحة والتعليم في تحسين مستوى معيشة المواطن، ويبقى السؤال الجوهري القديم الجديد متمثلا في مدى اتساق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل.


دعم البنزين

كلما ارتفع سعر الطاقة في السوق الدولية مع ثبات السعر في السوق المحلية، كلما عبر ذلك عن ارتفاع مقدار الدعم المقدم للمستهلكين. ان الفارق بين سعر النفط المكرر المستهدف للسوق الدولية والمعتمد له في الميزانية 47.7 دولار للبرميل والسعر المعتمد للسوق المحلية والبالغ 29.9 دولار يظهر ان مقدار الدعم المقدم للمستهلك. يجدر بالذكر ان الكميات المسوقة محليا بلغت 6,597,010 برميل سنويا، والفارق بين السعر المحلي والدولي هو 17.8 دولار للبرميل. هنا يثار سؤال حول جدوى الاستمرار في تقديم هذا الدعم لجميع القاطنين في دون تمييز بين من يستحق ومن لا يستحق هذا الدعم انطلاقا من تباين المرونات الدخلية للمستهلكين.

دعم الكهرباء والماء

ان إمعان النظر في المصروفات التراكمية الموجهة نحو الماء والكهرباء تظهر ضخامة المبالغ مقارنة بحجم الاقتصاد. ان حسابات تكاليف الإنتاج الرسمية لا تأخذ في الواقع الأسعار الحقيقية للطاقة. ففي حين تثبت الوزارة تكلفة وحدة الطاقة عند 0.008 دينار فقط لإنتاج متر مكعب من المياه، تؤكد اعتمادها سعر مخفض للوقود، بواقع 25 سنت للمليون وحدة حرارية، مما يرفع من حجم الدعم الحقيقي المقدم للمواطنين والمقيمين. وبخلاف واقع الحال في الدول الأخرى، تحسن وضع الفقراء في البحرين في مرحلة الميثاق نتيجة للدعم المقدم في قطاع الكهرباء والماء، ففي الأردن مثلاً أدى ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية للكهرباء والماء بسبب ارتفاع أسعار الطاقة إلى تضرر ذوي الدخل المنخفض، مما ضخم أعداد الفقراء، الأمر الذي قاد إلى تغيير الكثير من نتائج الدراسات السابقة حول الفقر (مريان، 2000). ويبقى السؤال حول مدى قدرة الدولة على الاستمرار في هذا الدعم في المدى الأبعد في ظل شح الموارد الطبيعية، وجدوى الاستمرار في تقديم هذا الدعم للجميع دون تمييز.

مسوحات دخل ونفقات الأسرة

أكثر الأمور إرباكا للمخططين والباحثين يمثلها غياب المعلومات، وبصدد تضخم أسعار المستهلك، نجد انه بينما تحتسب الكثير من الدول معدلات التضخم بصفة سنوية، وحتى شهرية أو فصلية، درجت البحرين "سابقا" على إجراء مسوحات "دخل ونفقات الأسرة" كل عشر سنوات. اليوم نحن إزاء شيء مختلف، فآخر مسح لنفقات الأسرة يعود لعام 1995، أي إننا إزاء بيانات قديمه حول التضخم عمرها 12 عاما، ولا يعلم احد أي شيء عن نتائج مسوح قيل أنها أنجزت. يجدر بالذكر ان مجلس الوزراء وافق في 18 مارس 2007 على تنفيذ مسوح دخل ونفقات الأسرة كل 5 سنوات عوضا عن 10 سنوات، ليتاح تحديث سلة السلع والخدمات في احتساب الأرقام القياسية لأسعار المستهلك.

hameed12.JPG

شهدت البحرين ثلاثة مسوحات لدخل ونفقات الأ سرة، الأول كان في 1974 - 1975 والثاني في 1983 - 1984، أما الثالث فقد كان في 1994 - 1995. والواقع أن البحرين قد شهدت خلال تلك الفترات تغيرات كبيرة في أنماط وأذواق المستهلكين، وشهدت ظهور سلع جديدة لم تكن موجودة في السوق المحلية، أو لم تكن سائدة بذات النمط قبل سنوات، فضلا عن اختفاء العديد من السلع. وهذا ما يجعل السلع والخدمات المنتقاة في السلة السلعية التي أعدت على ضوئها الترجيحات والأوزان في مسوح دخل ونفقات الأسرة موضع جدل، ولهذا تتباين بيانات التضخم تباينا كبير بين جهة بحثية وأخرى، حيث يعتمد مصرف البحرين المركزي معدلات تختلف عن تلك التي تشير إليها دراسات شركة ستندرد اند بورز ودراسات الاسكوا ودراسة HSBC وغيرها.

إن الهوة الكبيرة التي تفصل بين مسوحات دخل ونفقات الأسرة تعتبر إشكالات في ظل عالم تعيق تغيراته السريعة تتبع الكثير من الحقائق، كقياس تطورات مستوى المعيشة وشكل الإنفاق الأسري، والتغيرات في أولويات الإنسان الأسري ة ، الأمر الذي يطرح جدوى تقليص الفترة الفاصلة بين مسح وآخر، كأن تكون خمس سنوات عوضا عن عشر سنوات.

hameed13.JPG

إرساء سلة خاصة لمسح نفقات الأسر الفقيرة

في الواقع، ان منهجية احتساب التغير في أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية واحدة لا تتغير، وما يتغير هو تركيبة سلة السلع المختارة في مسوح دخل ونفقات الأسرة. فعلى سبيل المثال، تقلص وزن الزيوت الحيوانية مقارنة بالزيوت النباتية قبل بضع سنين، بينما تبدو التغيرات سريعة في سلع وخدمات أخرى، فعلى سبيل المثال، ارتفع الإنفاق على الخدمات الصحية والتعليم (حضانات ورياض الأطفال والمدارس الخاصة) والاتصالات والكمبيوتر والتكنولوجيا المتصلة به، كما ارتفع على وسائل النقل، الأمر الذي يتطلب إعادة تحديث السلع والخدمات وأوزانها في سلة جديدة لـ "مسوح دخل ونفقات الأسرة".

يمكن تثبيت دورية تحديث بيانات "مسح دخل ونفقات الأسرة" كل بضعة سنوات باعتباره مسحا شاملا لعينة تعنى باحتساب الدخل والإنفاق الأسري معا. في موازاة ذلك، يمكن البناء على بيانات المسح ذاته لرصد التغيرات في أسعار سلة السلع والخدمات المختارة بصفة شهرية مع مراعاة تغيير نمط الإنفاق الأسري بين حين وآخر.

في حقيقة الأمر، يمكن لأي باحث ان يصل بصورة أولية وقريبة من الدقة إلى بيانات تغيرات الأسعار بجهود فردية من خلال مطالبة أصحاب السوبرماركت أو البرادات برصد أسعار سلة مختارة من السلع التي تمثل أهم احتياجات الأسر ومقارنتها بما كانت عليه قبل عام أو عامين من واقع البيانات التاريخية التي تحتفظ بها المؤسسات لاعتبارات مالية ومحاسبية. وعليه، يمكن تكليف الجهاز المركزي للمعلومات بالقيام برصد البيانات واحتساب التغيرات في الأسعار دون الاحتكام لمسوح دخل ونفقات الأسرة التي تظهر بالقطع نتائج إضافية مهمة (الوزن النسبي للإنفاق الأسري على أوجه الإنفاق المختلفة). في هذا الصدد، يمكن كذلك إرساء سلة خاصة بالسلع والخدمات التي تخدم غايات الأسر الفقيرة، والأسر الأكثر فقرا في المجتمع بعد تحديد تعريف دقيق لكل منها، مع مراعاة الدعوم الموجهة نحو تلك السلع والخدمات للأسر الفقيرة والأكثر فقراء دون غيرها.

دعم فئة الدخل المحدود

الحاجة ملحة لإرساء أجهزة متخصصة تتنبأ بتأثير مختلف المتغيرات الاقتصادية الداخلية والخارجية في التضخم، واثر هذا الأخير على القدرة الشرائية، وذلك وفقا لسيناريوهات مختلفة للنمو الاقتصادي والتوظيف ونمو الأجور. فإذا كان دعم الكهرباء والماء والوقود يصل للجميع كما اللحوم، فهذا يعني ان الميزانية العامة تقدم دعما للأثرياء أسوة بالفقراء، وبهذا يستفيد من دعم اللحوم مالك فندق خمسة نجوم مع أكثر الأسر فقرا في المجتمع، بينما يستفيد من دعم الوقود من يمتلك السيارات الفارهة وآلاف السيارات المملوكة لشركات مع أصحاب السيارات المتواضعة، وهنا تكمن إشكالية!

بغية عدم إرهاق الموازنة العامة بدعوم موجه لأسر لا تحتاج في الواقع إلى دعم، يمكن ان تعتمد وزارة الشؤون الاجتماعية كوبونات خاصة موجة للأسر الفقيرة دون غيرها، لتسهم بجانب الإعانات النقدية في تحسين وضع الفقراء دون غيرهم. هذا الأمر يطرح أهمية إعادة هندسة نظام الدعم الحكومي للأغذية والطاقة والخدمات بحيث تستهدف في المقام الأول المواطنين، وخاصة الفقراء عوضا عن أن تشمل الأجانب والشركات والأغنياء الذي يمثل دعمهم نزيف للمالية العامة، وهو نزيف قائم راهنا ومتمثل في دعم الوقود والكهرباء والماء والخبز واللحوم وغيرها. وفي هذا الطرح تمييز مقصود بين دعم الفقراء عن سواهم. فعلى سبيل المثال، يمكن تقديم شريحة من شرائح استهلاك كلا من الكهرباء والماء مجانا للأسر الفقيرة بحد أقصى لا يتجاوز سقوف مدروسة بعناية تراعي عدم الهدر.

 

صحيفة الوقت

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro