English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الجذر الأخلاقي والحياة السياسية العامة: وفاق أم نفاق؟
القسم : عام

| |
2007-05-07 10:24:42


 

تحدثنا في مقال سابق لنا عن دور القيمة المبدئية والحمولة الأخلاقية في توطيد النضال السياسي وتجذيره اجتماعياً، واستعرضنا كيف أن بمقدور تلك القيمة والحمولة النهوض بالعمل السياسي نضالاً، أوالسقوط به عبثاً ومناورة مصلحية لعوب تقتفي أثر المصالح الذاتية والشخصية، مهما كان الثمن أو حتى إشباعاً لغرائز وتمسيداً لطبائع مريضة، فشتان بين جرأة النضال وصدح الحق وجهر المصارحة من جهة، وبذاءة اللسان وتورم الذات وتعفن القلب بهواجس الحقد والغيرة التي تقف في جهة مغايرة بتاتاً، والأخيرة لوثات إنسانية مرجح أن يفشل مشروع النضال السياسي، وما يلتحق به من إعلان مبدئي ودعوة رسالية قيمية في تغليف صاحب تلك اللوثات الإنسانية المتخلفة بهيمياً!

 

ونحن في مقالنا هذه نواصل مسارنا ذاته لطرق موضوعات الأخلاق والعمل السياسي من منظور ومدرك آخر يكون أكثر ارتباطاً بالأخلاق الإنسانية وآداب السلوك وفن التواصل ورسم العلاقات الإنسانية، وكيف بإمكان تلك الأخلاقيات والآداب والتواصليات الإنسانية التي يمارسها موهوب أو محترف أو مدعي عمل سياسي ذو أطر عامة وآفاق وطنية جامعة أثناء تعامله مع الناس نخبة وعامة من قدرة رهيبة، وطاقة هائلة تفجر التعاطف، وتشعل التضامن مع صاحبها مهما بلغت مستويات الاختلاف في الفكر والرؤية والثقافة بين الشخص والعامة والخاصة معه إلى درجة يمكن فيها الإعلاء المثالي لقيم الأخلاق والسلوك والتواصل إلى حد لا يكون فيه الخراب إلا خراباً أخلاقياً ولا النهوض إلا نهوضاً أخلاقياً كما عرف بذلك الأفراد والأمم.

 

وما يدفعني لاستحضارعطرها البرتقالي الدافئ، وإعادة إشعالها في عتمة دامسة أطبقت بفكها على وردة نفسي هي شمعة ذكرى جميلة مررت بها حينما كنت مع مدرسة الأجيال النضالية المتجددة مجسدة في شخص عبد الرحمن النعيمي (أبوأمل)، الذي وعلى رغم كون علاقتي معه حتى الآن لم تزد عن عام واحد، فإنها تبدو لي أحياناً وكأنها نشأت معي منذ الصغر، منذ أن كان «بوأمل» مناضلاً حراً منفياً خط الشيب رأسه، ووطنه جميع العالم العربي والإسلامي، وظل مع ذلك متمسكاً بحلم وحق العودة إلى وطنه الأم البحرين، وأنا حينها كنت كائناً صغيراً شقياً أدور عبثاً في أروقة المنزل، منذ أن كنت منعماً برعاية واحتضان الوالدين الغاليين، وكأنني أعرفه حنانه وأبويته منذ ذلك الوقت!

 

وربما معنى الشيفرة السرية التي تلعب بمفاتيح زمن الصداقات القديمة والجديدة هو كون «بوأمل» يغمرك بتساميه الأخلاقي العالي، ورحابة صدره، وإدارة العملية الماهرة لبحر من الاختلافات الشاسعة والواسعة بين مؤيديه ومعارضيه من دون الانتقاص من الآخر، إلى حد أنه وبكل ما يتميز به من صدق وصراحة عالية يكسب ثقة جميع معاصريه أكانوا مناصرين أم من أطراف أخرى، ويسمح للجميع بالدخول إلى عوالمه المذهلة والاطلاع على نفيس مكنوناتها بمنتهى الثقة والشفافية!

 

وهو بذلك وإن كان رجلاً بحجم وطن يحمل همه الوطني الثقيل والصقيل على كتفه ويعلو به، وإن كان ذا نفس فكري عميق، وحجة منطقية صلبة قادرة على الجزم والإقناع، وقبلها صاحب رؤية بعيدة، إلا أنه لا يمكن الإنكار بأن ما يتمتع به من إنسانية صافية ونقية، وأخلاق عالية وأدب جم ومناقبية رفيعة متأصلة، لا بوصلة أو ساعة أو سلعة أخلاقية باهظة الثمن كما لدى البعض، هو ما أكسب المناضل «بوأمل» هذا التضامن الشعبي الكبير على مستوى إقليمي ومحلي إلى جانب الكاريزما الذاتية.

 

وهو الذي غرس وردته الفيحاء في قلب الوطن والمواطن البحريني منذ عودته إليه من المنفى بعد طول غياب، فانبتت وزاد فوحها، وزادت أشواكها فتوة لجرح ووخز من يتربص ويبيت النية للمساس بحقوق هذا الوطن والمواطن!

 

انطلاقة المناضل «بوأمل» برسالته الأخلاقية العالية تصلح لأن تكون رسالة اقتداء إنساني للجميع إلى حد يصبح من غير الملائم أدباً وسلوكاً أن يتم وصفه بــ»السياسي»، فهو بصموده المبدئي الأسطوري أرفع من ذلك بأشواط عديدة، ففي حين يدور السياسي بين حقول ألغام المصالح، يدور بو أمل المتأجج نشاطاً والمتقد ذهناً بين رياض القيم والأخلاق والمبادئ الإنسانية العليا التي طال افتقادها وتسلعت، ليس خيفة أن يتم تلطيخ سمعته الأخلاقية وممارسة الابتزاز والفضح بأحدث الوسائل الإلكترونية العابرة للبحار والمحيطات والحواجز، كحال بعض الأجهزة والشبكات تجاه بعض النشطاء السياسيين الخارجين عن نغم اللحن المطلوب!

 

وإنما يتفجر بداخله إيماناً زمزمياً عميقاً يسقي رؤاه بشأن كون الإصلاح والتقدم لا يمكن أن يأتي إلا من خلال إصلاح القيم والأخلاق الاجتماعية، وتقدمها بتقدم وضع الإنسان وتحسنه، ومثل هذا الأخلاق والقيم الإصلاحية تستمد من منابع حضارية شتى يرتوي بها كياننا الوطني ومن بينها المنبع الإسلامي الأصيل.

 

«فالأخلاق، الأخلاق والأخلاق» تلك التي ينادي بها «بوأمل»، وينصحنا بها سواء في مجال الممارسة السياسية الفكرية والميدانية، والأهم من ذلك في مجال العلاقات الإنسانية الاجتماعية المتنوعة، وهي مفتاح جميع القلوب البشرية، كما هي المفتاح الاجتماعي للإصلاحات السياسية والاقتصادية وغيرها.

 

لذا فشتان بين «بوأمل» في ذلك، وبين بعض الناشطين السياسيين الذين أهملوا كثيراً الجانب الأخلاقي الاجتماعي على حساب جانب نسج المصالح السياسية والضياع في تلافيف العلاقات والتواصليات بين كافة الأطراف، ومنهم من كان مفتاح قضيته هو مفتاح سيارته وغرفته وخزانته!

 

وعن الانحطاط الأخلاقي والتدني القيمي الحضاري الذي أصاب البعض الداخلين في حياة عامة، أو ربما تفجر قيحاً من أنفس مريضة، رويت لي قصة ومثالاً حقيقياً نموذجياً كان بطلته ناشطة سياسية جالسة في الدرجة الأولى على متن رحلة جوية عائدة من «باريس»الرقي والحضارة إلى البحرين بلد اللآلىء والنخيل، وقد اتجهت هذه الناشطة السياسية إلى «حمام» الطائرة الذي كان مشغولاً، وانتظرت بعضاً من الوقت بتذمر، وما أن خرج الشخص الذي كان يشغل «الحمام» حتى انهالت عليه الناشطة السياسية التقدمية، ومن دون سابق معرفة واتصال مع هذا الشخص، بسيل من الكلمات والألفاظ البذيئة والمحرجة التي لا يمكن التعبير عنها إجلالاً للقارئ العزيز، إلا أن هذا الشخص تعالى عن بذاءة وسوقية وانحطاط الإساءة التي وجهتها له الناشطة السياسية التقدمية «مدام لايبرل»، وشكاها لاحقاً عند الجهات المختصة عسى أن تنال قدراً من التربية والتأديب والتهذيب!

 

ولعل المصيبة الكبرى هو أن يجمع الفرد أكان ناشطاً سياسياً أو سواه هم قضية وطنية كبرى يسيء إليها برصيد ضخم في حوزته من تدني الأخلاق وقلة الأدب في التعامل مع الناس، مضافاً لهذا الانحطاط الأخلاقي جهلاً وتعصباً ونرجسية متضخمة، وسطحية بعمق انحناءة «الملعقة»، إلى جانب دمامة غيلانية ممسوخة لا يغير منها ماكياج سياسي وضع بإسراف!

 

لعله جدير جداً ببعض صعاليك ومتسلقي ومتسوقي عوالم السياسة القذرة النهل والتزود قدر الإمكان من مدرسة النعيمي لتعليم الأخلاق والمبادئ والمناقب، إذ التعليم مجاناً ومتاح للجميع، ولا تقبض شيكات ورسوم وضرائب للتعلم، بدلاً من السفرات والرحلات البعيدة والمشاركة في المؤتمرات التي لم تفلح في تهذيب وترقية أخلاقيات التواصل الإنساني لدى البعض!

 

صحيفة الوسط

Monday, May 07, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro