English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

كلمة الأمين العام للمؤتمر القومي العربي الاستاذ عبد القادر غوقة باسم المؤتمرات الثلاث في تأبين المفكر محمد...
القسم : الأخبار

| |
2010-06-16 12:26:04


كلمة الأمين العام للمؤتمر القومي العربي الاستاذ عبد القادر غوقة باسم المؤتمرات الثلاث 
(المؤتمر القومي العربي ـ  المؤتمر القومي الإسلامي  ـ المؤتمر العام للأحزاب العربية)

 
أيتها السيدات و السادة أيها الحضور الكريم عائلة الفقيد العزيز الدكتور عابد الجابري الصغيرة و الاكبيرة :
يشرفني تكليفي من طرف زميلي المنسق العام للمؤتمر القومي الاسلامي  والأمين العام للمؤتمر العام للأحزاب العربية بأن تكون هذه الكلمة باسم المؤتمرات الثلاث وفي هذا الاطار لابد أن أتقدم بخالص العزاء لمحيط فقيدنا العائلي والمغربي ولأمتنا العربية والاسلامية وكل أحرار العالم في فقدانه كأحد أبرز رواد النهضة العربية المعاصرة. لقد كان الفقيد الكبير أحد الأعضاء المؤسسين للمؤتمر القومي العربي، وكان قبل كل ذلك علما من أعلام النضال القومي ورمزا من رموز الإبداع الفكري والكلمة الحرة، ومدافعا صلبا عن قضايا الأمة وتحررها ووحدتها، وأحد أهم مفكري العرب المعاصرين، الذي سيحتل مكانة بارزة في ذاكرة الأمة إلى جانب أعلامها الكبار: ابن خلدون وابن رشد والفارابي وابن سينا.... ليغادرنا بعد حياة حافلة أسدى فيها هذا الرجل العظيم أعمالا جليلة لبلده وأمته وعاش حياة حافلة بالبذل والعطاء.
لقد كان منذ شبابه المبكر نعم المناضل الذي وعى خطورة الظاهرةِ الاستعمارية لينضم يافعا إلى صفوف الحركة الوطنية المغربية المناضلة من أجل استقلال المغرب، مواجها آلتها الجهنمية، ومشاركا في خلايا العمل الوطني داخل حزب الاستقلال من أجل استرجاع السيادة والحرية.
كما لعب بعد الاستقلال  دورا كبيرا في وضع لبنةِ حركةِ سياسية تقدمية جديدة ستحمل مشعل النضال من أجل تحديثِ العملِ السياسي إلى جانب قادة كبار أمثال الشهيد المهدي بن بركة ومحمد الفقيه البصري وعبد الرحيم بوعبيد، فكان من مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي لعب أدوارا أساسية في إعلامه ومنشوراته.
لقد ظل الدكتور محمد عابد الجابري في كتاباته الصحفية والأكاديمية والفلسفية  صوتا مدافعا عن قيم الحرية والكرامة والديموقراطية والعقلانية والعدالة الاجتماعية في مواجهة الفساد والاستبداد، وكان مبدعا شجاعا في طرح أفكاره حول القضايا التي يعتبرها البعض من المحرمات، وقد أدى ثمن نضاله ومواقفه حين تعرض للاعتقال أكثر من مرة. كما كان مناصرا للوحدة والمقاومة والممانعة في مواجهة التجزئة والمشروع الصهيوني مسكونا في كل ذلك بهاجس رفع تحديات الأمة والذود عن حياضها ومصيرها المشترك ومقاومة المشاريع الاستعمارية التي تستهدف سيادتها وحريتها في العراق ولبنان وخاصة في فلسطين التي شغلت باله منذ فترة مبكرة، وكانت الحاضر الأكبر في همومه الفكرية والسياسية كنموذج لأبشع ظلم عرفه التاريخ الإنساني فعايشها منذ النكبة مناضلا مدافعا عن حريتها وكاتبا منافحا عن قيم الحرية والمقاومة والكرامة.
كان الدكتور الجابري مهموما بإعادة بناء الفكر العربي للوقوف على مظاهر الخلل في البنى الذهنية التي شكلت الثقافة العربية، حاملا هموم تجديده بحثا عن طريق تستعيد فيه الأمة قدرتها على الفعل الحضاري دون اغتراب في ماضيها أو انسلاخ عن هويتها لتتقمص هوية الآخرين، فكان في مشروعه الفكري المتميز مثال المفكر النهضوي والمصلح الرائد الذي شخص أمراض الأمة واقترح وصفة لعلاجها، وهو ما حقق عليه إجماعا نادرا من مختلف المدارس الفكرية والتيارات الإيديولوجية بالوطن العربي. وكيف لا يتحقق ذلك واقعا وهو المدافع المستميت عن ضرورة بناء الكتلة التاريخية بين الأطراف والتيارات الأساسية في الأمة كإطار لتوحيد الجهود في مواجهة استراتيجية التشتيت والتمزيق ومن أجل تجاوز حالة الانسداد وتيسير الانتقال نحو الديموقراطية.
إن هذا الإجماع، الذي نادرا ما يتحقق حول شخص ما في التاريخ، يشكل اعترافا بالجميل الذي أسداه هذا المفكر العظيم للأمة، وجعل من مشروعه مرجعية فكرية لكل أطيافها، مرجعية تستند على خلاصة نصف قرن من البحث والتنقيب قام بها الدكتور الجابري باعتباره أحد العارفين بالتراث الفكري والفلسفي العربي – الإسلامي، وأحد الملمين بالفلسفة وعلم الكلام وأصول الدين وقواعد اللغة، مما مكنه من القيام في مشروعه الفكري الرائد بعملية نقدية مزدوجة قائمة على نقد الفكر الأوروبي في أبعاده الهيمنية والاستعمارية، مستفيدا مما طرحه من مناهج. وعلى إعادة قراءة التراث العربي رافضا توظيفه لخدمة قيم الجمود والانغلاق، مركزا على استخراج معالم وبذور العقلانية داخله، مساهما في إنجاز مشروع نهضوي يتجاوز واقع التخلف والانحطاط الذي تعيشه الأمة (خاصة في رباعيتيه "نقد العقل العربي"          و " تفسير القرآن الكريم" ). وهي المساهمة الفكرية التي بقدر ما نقلت الدكتور الجابري إلى مصاف العالمية، حيث ترجم مشروعه الفكري إلى عشرات اللغات وحصل على العديد من الجوائز، فإنها أنارت الطريق أمام نخب الأمة العربية ومثقفيها لبناء المشروع النهضوي العربي الذي استوى في صيغته الأخيرة قبل فترة، وكان له فضل كبير في ذلك.
لقد استطاع الفقيد بقدراته الخلاقة القيام بمهمة عجز عنها الكثيرون من سابقيه أو مجايليه، وذلك حين استطاع أن يرتق الهوة بين تيارين داخل الأمة اغتربا عن واقعهما، أحدهما تيار تراثي غارق في مشاكل الماضي، والآخر تيار مغترب غارق في تراث الآخر الغربي المهيمن، ليحل من خلال ذلك إشكالية الثنائيات المتصارعة في العقل العربي بين أصيل ودخيل أو تراثي ومعاصر أو قديم وجديد....بطريقة تركيبية مبدعة وخلاقة.
ولم يكن هذا الرجل الكبير ليطرح مشروعه ذاك منعزلا عن العمل الميداني  والممارسة العملية فكانت سيرته  الطاهرة تجسيدا لقيم الصدق والنزاهة والاستقامة والتعفف عن تقلد المسؤوليات والمناصب والالتزام بقضايا الأمة وحمل همومها، مما جعل منه نموذجا للمثقف العضوي الملتزم الذي يقرن النظر بالعمل والفكر بالممارسة، وهو ما ضاعف قدرته على التأثير في الناس في زمن كدنا نفقد فيه النموذج  والمثال.  
إن الجابري لم يمت سنعايشه في جامعاتنا ومدارسنا ومراكز بحوثنا وسيشارك في مؤتمراتنا ونشاطاتنا القومية، وسيواجه معنا الظلم والعدوان، ويقاوم العسف والقهر، ويدعو للنهضة والوحدة والتقدم.
إننا نفخر بأن الفقيد الكبير كان ينتمي إلينا، ونحن نفخر اليوم بأننا ننتمي إليه.
له الرحمه، ولنا ولمحبيه خالص العزاء
التاريخ: 8/6/2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro